ملتقى الاقتصاد:
لم الاقتصاد الوضعي قبل وبعد الإسلام
لا شك أن الأفكار الاقتصادية قديمة قدم الإنسان نفسه، ومنذ صدور الأمر الإلهي إلى سيدنا آدم بالهبوط من الجنة إلى الأرض وذلك بهدف إعمار الكون والسعي في طلب الرزق، وهذا يعني ببساطة: "العمل والإنتاج"، وهما - كما أشرنا - أساس الاقتصاد؛ قال تعالى: {قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}[الأعراف: 24].
واعتبارا من هذا التاريخ والإنسان في صراع مع الطبيعة يحاول إخضاعها لسيطرته، وتسخيرها لخدمته، وذلك بأن يستخرج منها كل ما يكفي احتياجاته ويشبع رغباته، وقد ترتب على ذلك أن واجهته العديد من المشكلات الاقتصادية، وفي سعيه المستمر للتغلب عليها وتطوير قواه الإنتاجية والعملية الاقتصادية بأكملها، نشأت العديد من الأفكار الاقتصادية والتي تعد نتاج الممارسة العملية.
ثم انشغل بعض فئات المجتمع بالفكر بصفة عامة في مختلف أنواعه، وفي إطار ذلك كانت لهم بعض الأفكار الاقتصادية المحدودة بسبب محدودية العملية الاقتصادية؛ فالحاجات محدودة جدا وتنحصر في المأكل والمأوى والملبس، وأدوات الإنتاج بسيطة جد، وتعتمد على القوة الجسدية للإنسان بجانب بعض الأدوات المحدودة جدا.
فقد عرفت مصر القديمة الملكية الفردية، بالإضافة إلى ملكية الانتفاع، كما كانت هناك ملكية مقيدة وتتمثل في أراضي توقف على المعابد لكسب تأييد رجال الدين، غير أن كل ذلك في إطار أن الحاكم وهو الفرعون (والإله) هو المالك الأسمى لكل الأراضي، كما عرفت النقود السلعية كالقمح أولا، ومع التطور ووجود فائض زراعي والتوجه إلى المبادلة والتجارة استخدمت النقود المعدنية وخاصة الذهب، وهناك الكثير من البرديات يشير إلى ذلك.
وأما بشأن بلاد بابل أو ما بين النهرين فكان النشاط الاقتصادي أيضا يرتكز على الزراعة والتجارة، ورغم أن المالك الأسمى للأرض هو الملك (وكان له أيضا صفة الإله) فقد كانت هناك أنواع مختلفة من الملكية، ثم أصبحت الملكية الفردية هي الغالبة، ويحتل قانون حمورابي أهمية بالغة في المجالات الاقتصادية، حيث أورد تنظيما دقيقا لأمور الملكية والربا وغيرها، كما كان يتم استخدام النقود المعدنية في المبادلات.
أما النظام العبراني فتشير الدراسات إلى أنه قد عرف في مرحلة متأخرة التجارة الداخلية والخارجية، وارتبط بذلك الاتجاه نحو تجميع الثروات، ووجود طبقة شديدة الثراء، وارتفاع الضرائب، وزيادة أعداد فئات وطبقات الفقراء، وأدى هذا التغير الاقتصادي إلى ثورة أنبياء بني إسرائيل ضد الجشع واستغلال النفوذ من جانب التجار والمرابين، فكان تحريم الربا على القروض خصوصا بين العبرانيين، أما غير العبرانيين فكان بنو إسرائيل يتعاملون بالفائدة (الربا) معهم.
ولقد كان النشاط الاقتصادي عند الإغريق يرتكز على الزراعة البدائية، وكانت الوحدة الإنتاجية في الزراعة ثلاثة أنواع: وحدات كبار الملاك، ووحدات صغار الملاك، ووحدات مملوكة للدولة، وكانت التجارة الداخلية محدودة بسبب محدودية الحاجات، وكان يُعتَمَد على التجارة الخارجية في استيراد العديد من المنتجات الزراعية وغيرها.
وفي إطار هذا الاقتصاد البسيط، وفي ظل نهضة فكرية ملموسة ومشهورة كانت هناك بعض الأفكار الاقتصادية والتي تتميز بالريادة والإحاطة بالكثير من مكونات التحليل الاقتصادي غير المسبوق في هذه المرحلة التاريخية، فقدم أفلاطون في كتابه الجمهورية، وتحليله الشهير للمدينة المثالية العديد من الأفكار الاقتصادية المهمة، وكان من ذلك رأيه بضرورة وضع ضوابط للملكية الفردية أو الخاصة، وأنها يجب ألا تكون مطلقة.
وقد اقتفى أثر أفلاطون تلميذه أرسطو إلا أن آراءه كانت - في الغالب - تحمل وجهات نظر متباينة معه؛ فقد كان أرسطو مناديا ومحبذا للملكية الخاصة بشكل مطلق، ولكل أفراد المجتمع دون استثناء، ولكل فرد حرية تملك المال والتصرف والاستعمال والاستغلال، واعتبر الملكية حقًّا طبيعيًّا للفرد، وكان لذلك أبلغ الأثر في أوربا فيما بعد.
وإذا كان الرومان لم يقدموا فكرا اقتصاديا يستحق الذكر إلا أنهم قد أثروا في الفكر الاقتصادي مؤخرا وذلك عن طريق أفكارهم والتي تتمثل فيما يلي:
1) فكرة القانون الطبيعي، حيث تعني هذه الفكرة بوجود قانون ليس من خلق الإنسان ولكنه من خلق الطبيعة يحكم العلاقات الاقتصادية، وله صفة الدوام والعمومية، وقد ساد هذا الاعتقاد في القرن الثامن عشر لدى مدرسة الطبيعيين وكذلك لدى المدرسة الكلاسيكية.
2) فكرة المذهب الفردي: وتتضمن هذه الفكرة حق كل شخص في أن يعقد ما شاء من العقود، وكذلك الصفة المطلقة لحق الملكية، وأن يترك النشاط الاقتصادي حرا بدون تدخل من الدولة، وتعتبر هذه الفكرة أساس النظام الرأسمالي الذي ظهر واستقر منذ القرن السادس عشر حتى اكتمل بناؤه في القرن التاسع عشر.
هذا وقد كان النظام الطبقي هو السائد قديما كما عند اليونان والرومان، حيث كان المجتمع مقسم إلى الحاكم والنبلاء، وطبقة الزراع والصناع، وطبقة العبيد والأرقاء، مما كان له أثره المباشر في النظام الاقتصادي السائد.(3)
ولقد كان من بين أقدم النظم الاجتماعية - الاقتصادية (النظم التي تتضمن عوامل اجتماعية واقتصادية مشتركة) نظام العزبية ـ نسبة إلى عزْبة، وقد هيأ ذلك النظام الحلول للمسائل المتعلقة بكيفية إنتاج السلع وتوزيعها في مجتمع زراعي، وتحت ذلك النظام يقوم ملاك الأرض بتأجيرها للمستأجرين، أو باستخدام العمال للعمل على الأرض مقابل أجر، ومازال هذا النظام ساريًا في عالم اليوم في بعض البلدان، وقد بدأ نظام العزبية منذ نهاية الإمبراطورية الرومانية، وانتشر في غرب أوروبا، وبحلول القرن الثاني عشر الميلادي، نمت المعارضة لذلك النظام، وأدى التطور الاقتصادي إلى نمو المدن والدول، حيث كانت لكل واحدة منها نظرتها المختلفة لمبدأ تقسيم السلطة، وقد تلاشى النظام العزبى أولاً في غرب أوروب، ولكنه بقي في بعض الأجزاء الأخرى من أوروبا حتى القرن التاسع عشر.
ولم يتم تطوير النظريات الرئيسية الأولى الخاصة باقتصاديات الأمم إلا في القرن السادس عشر الميلادي، أي ببداية فترة النزعة التجارية، وقد آمن أصحاب النزعة التجارية أن على الحكومة أن تُمارس تنظيم النشاط الاقتصادي لتحويل الميزان التجاري لمصلحتها، وقال هؤلاء: إن الأمم يمكنها زيادة الكمية المعروضة من المال من خلال تصدير المزيد من المنتجات مقارنة بما تستورد، وكان معظم هؤلاء يحبذون الاعتماد على التعرفة الجمركية المرتفعة والموانع الأخرى لتحديد الواردات وتقييدها.
وخلال القرن الثامن عشر، هاجمت مجموعة من الكتاب الفرنسيين، ـ تُسمى الفيزوقراطيين ـ النزعة التجارية، وكان هؤلاء يؤيدون التقليل من تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، كما أنهم كانوا أول من استعمل المصطلح "دعه يعمل" من بين الاقتصاديين، ليعني عدم تدخل الحكومة، كما أن الفيزوقراطيين كانوا أول من بدأ الدراسة المنظمة للكيفية التي تعمل بها الأنظمة الاقتصادية.
لم الاقتصاد الوضعي قبل وبعد الإسلام
لا شك أن الأفكار الاقتصادية قديمة قدم الإنسان نفسه، ومنذ صدور الأمر الإلهي إلى سيدنا آدم بالهبوط من الجنة إلى الأرض وذلك بهدف إعمار الكون والسعي في طلب الرزق، وهذا يعني ببساطة: "العمل والإنتاج"، وهما - كما أشرنا - أساس الاقتصاد؛ قال تعالى: {قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}[الأعراف: 24].
واعتبارا من هذا التاريخ والإنسان في صراع مع الطبيعة يحاول إخضاعها لسيطرته، وتسخيرها لخدمته، وذلك بأن يستخرج منها كل ما يكفي احتياجاته ويشبع رغباته، وقد ترتب على ذلك أن واجهته العديد من المشكلات الاقتصادية، وفي سعيه المستمر للتغلب عليها وتطوير قواه الإنتاجية والعملية الاقتصادية بأكملها، نشأت العديد من الأفكار الاقتصادية والتي تعد نتاج الممارسة العملية.
ثم انشغل بعض فئات المجتمع بالفكر بصفة عامة في مختلف أنواعه، وفي إطار ذلك كانت لهم بعض الأفكار الاقتصادية المحدودة بسبب محدودية العملية الاقتصادية؛ فالحاجات محدودة جدا وتنحصر في المأكل والمأوى والملبس، وأدوات الإنتاج بسيطة جد، وتعتمد على القوة الجسدية للإنسان بجانب بعض الأدوات المحدودة جدا.
فقد عرفت مصر القديمة الملكية الفردية، بالإضافة إلى ملكية الانتفاع، كما كانت هناك ملكية مقيدة وتتمثل في أراضي توقف على المعابد لكسب تأييد رجال الدين، غير أن كل ذلك في إطار أن الحاكم وهو الفرعون (والإله) هو المالك الأسمى لكل الأراضي، كما عرفت النقود السلعية كالقمح أولا، ومع التطور ووجود فائض زراعي والتوجه إلى المبادلة والتجارة استخدمت النقود المعدنية وخاصة الذهب، وهناك الكثير من البرديات يشير إلى ذلك.
وأما بشأن بلاد بابل أو ما بين النهرين فكان النشاط الاقتصادي أيضا يرتكز على الزراعة والتجارة، ورغم أن المالك الأسمى للأرض هو الملك (وكان له أيضا صفة الإله) فقد كانت هناك أنواع مختلفة من الملكية، ثم أصبحت الملكية الفردية هي الغالبة، ويحتل قانون حمورابي أهمية بالغة في المجالات الاقتصادية، حيث أورد تنظيما دقيقا لأمور الملكية والربا وغيرها، كما كان يتم استخدام النقود المعدنية في المبادلات.
أما النظام العبراني فتشير الدراسات إلى أنه قد عرف في مرحلة متأخرة التجارة الداخلية والخارجية، وارتبط بذلك الاتجاه نحو تجميع الثروات، ووجود طبقة شديدة الثراء، وارتفاع الضرائب، وزيادة أعداد فئات وطبقات الفقراء، وأدى هذا التغير الاقتصادي إلى ثورة أنبياء بني إسرائيل ضد الجشع واستغلال النفوذ من جانب التجار والمرابين، فكان تحريم الربا على القروض خصوصا بين العبرانيين، أما غير العبرانيين فكان بنو إسرائيل يتعاملون بالفائدة (الربا) معهم.
ولقد كان النشاط الاقتصادي عند الإغريق يرتكز على الزراعة البدائية، وكانت الوحدة الإنتاجية في الزراعة ثلاثة أنواع: وحدات كبار الملاك، ووحدات صغار الملاك، ووحدات مملوكة للدولة، وكانت التجارة الداخلية محدودة بسبب محدودية الحاجات، وكان يُعتَمَد على التجارة الخارجية في استيراد العديد من المنتجات الزراعية وغيرها.
وفي إطار هذا الاقتصاد البسيط، وفي ظل نهضة فكرية ملموسة ومشهورة كانت هناك بعض الأفكار الاقتصادية والتي تتميز بالريادة والإحاطة بالكثير من مكونات التحليل الاقتصادي غير المسبوق في هذه المرحلة التاريخية، فقدم أفلاطون في كتابه الجمهورية، وتحليله الشهير للمدينة المثالية العديد من الأفكار الاقتصادية المهمة، وكان من ذلك رأيه بضرورة وضع ضوابط للملكية الفردية أو الخاصة، وأنها يجب ألا تكون مطلقة.
وقد اقتفى أثر أفلاطون تلميذه أرسطو إلا أن آراءه كانت - في الغالب - تحمل وجهات نظر متباينة معه؛ فقد كان أرسطو مناديا ومحبذا للملكية الخاصة بشكل مطلق، ولكل أفراد المجتمع دون استثناء، ولكل فرد حرية تملك المال والتصرف والاستعمال والاستغلال، واعتبر الملكية حقًّا طبيعيًّا للفرد، وكان لذلك أبلغ الأثر في أوربا فيما بعد.
وإذا كان الرومان لم يقدموا فكرا اقتصاديا يستحق الذكر إلا أنهم قد أثروا في الفكر الاقتصادي مؤخرا وذلك عن طريق أفكارهم والتي تتمثل فيما يلي:
1) فكرة القانون الطبيعي، حيث تعني هذه الفكرة بوجود قانون ليس من خلق الإنسان ولكنه من خلق الطبيعة يحكم العلاقات الاقتصادية، وله صفة الدوام والعمومية، وقد ساد هذا الاعتقاد في القرن الثامن عشر لدى مدرسة الطبيعيين وكذلك لدى المدرسة الكلاسيكية.
2) فكرة المذهب الفردي: وتتضمن هذه الفكرة حق كل شخص في أن يعقد ما شاء من العقود، وكذلك الصفة المطلقة لحق الملكية، وأن يترك النشاط الاقتصادي حرا بدون تدخل من الدولة، وتعتبر هذه الفكرة أساس النظام الرأسمالي الذي ظهر واستقر منذ القرن السادس عشر حتى اكتمل بناؤه في القرن التاسع عشر.
هذا وقد كان النظام الطبقي هو السائد قديما كما عند اليونان والرومان، حيث كان المجتمع مقسم إلى الحاكم والنبلاء، وطبقة الزراع والصناع، وطبقة العبيد والأرقاء، مما كان له أثره المباشر في النظام الاقتصادي السائد.(3)
ولقد كان من بين أقدم النظم الاجتماعية - الاقتصادية (النظم التي تتضمن عوامل اجتماعية واقتصادية مشتركة) نظام العزبية ـ نسبة إلى عزْبة، وقد هيأ ذلك النظام الحلول للمسائل المتعلقة بكيفية إنتاج السلع وتوزيعها في مجتمع زراعي، وتحت ذلك النظام يقوم ملاك الأرض بتأجيرها للمستأجرين، أو باستخدام العمال للعمل على الأرض مقابل أجر، ومازال هذا النظام ساريًا في عالم اليوم في بعض البلدان، وقد بدأ نظام العزبية منذ نهاية الإمبراطورية الرومانية، وانتشر في غرب أوروبا، وبحلول القرن الثاني عشر الميلادي، نمت المعارضة لذلك النظام، وأدى التطور الاقتصادي إلى نمو المدن والدول، حيث كانت لكل واحدة منها نظرتها المختلفة لمبدأ تقسيم السلطة، وقد تلاشى النظام العزبى أولاً في غرب أوروب، ولكنه بقي في بعض الأجزاء الأخرى من أوروبا حتى القرن التاسع عشر.
ولم يتم تطوير النظريات الرئيسية الأولى الخاصة باقتصاديات الأمم إلا في القرن السادس عشر الميلادي، أي ببداية فترة النزعة التجارية، وقد آمن أصحاب النزعة التجارية أن على الحكومة أن تُمارس تنظيم النشاط الاقتصادي لتحويل الميزان التجاري لمصلحتها، وقال هؤلاء: إن الأمم يمكنها زيادة الكمية المعروضة من المال من خلال تصدير المزيد من المنتجات مقارنة بما تستورد، وكان معظم هؤلاء يحبذون الاعتماد على التعرفة الجمركية المرتفعة والموانع الأخرى لتحديد الواردات وتقييدها.
وخلال القرن الثامن عشر، هاجمت مجموعة من الكتاب الفرنسيين، ـ تُسمى الفيزوقراطيين ـ النزعة التجارية، وكان هؤلاء يؤيدون التقليل من تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، كما أنهم كانوا أول من استعمل المصطلح "دعه يعمل" من بين الاقتصاديين، ليعني عدم تدخل الحكومة، كما أن الفيزوقراطيين كانوا أول من بدأ الدراسة المنظمة للكيفية التي تعمل بها الأنظمة الاقتصادية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق