ملتقى الاقتصاد:
إن الحرية الاقتصادية لا تتبلور في التطبيق والممارسة ما لم توافق الحرية الإنسانية؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فالذي لا يملك حرية التصرف أي الحرية الإنسانية لا يستطيع أن يمارس النشاط الاقتصادي الحر، لكن الحرية الإنسانية ليست مطلقة لأنها إنسانية محدودة بوجود الإنسان الجسمي المادي وتركيبه العقلي النفسي وبيئته المادية، وهذا ببساطة يعني أن الإنسان لا يستطيع أن يمارس وجوده وحريته إلا في هذا الإطار المحدود لوجوده الإنساني، وداخل هذه الحدود يقوم النشاط الاقتصادي الإسلامي بالوفاء بحاجات الإنسان المختلفة من الطيبات المباحة والمتاحة، الضرورية منها والكمالية.
وبالنسبة للنظام الاقتصادي الإسلامي يقع هذا الإطار في دائرة ما أباح الله وأحَلَّ من الطيبات، ولا يقوم النشاط الاقتصادي في غيرها من الخبائث والمحرمات، وهذا هو أحد ضوابط الحرية الاقتصادية في النظام الإسلامي، وهناك ضوابط للحرية الاقتصادية كثيرة تتمثل في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضِرار" فهذا الحديث يضع شرطًا لحماية التملك والاتجار هو عدم إلحاق الضرر بالآخرين، وألا يُردَّ الضرر بضرر مثله، وهذا هو الضِّرار، ومن ضوابط الحرية تدخُّل الدولة في النشاط الاقتصادي.
فالحرية الاقتصادية هي أساس النظام الإسلامي، وهي التي تميز نظام الإسلام الاقتصادي عن النظام الرأسمالي الذي يتقيد فقط بقوانين العرض والطلب والقوانين الوضعية التي تمنع السرقة والنهب المُسلَّح والقتل وما إلى ذلك، وكذلك تميز الحرية النشاط الاقتصادي الإسلامي عن النظام الشيوعي الذي يمنع الحرية أولاً وأخيرًا، ولذلك يعتمد النظام على تخطيط الحكومة المركزية؛ إذ أنه اقتصاد أوامر وليس اقتصادًا حرًا، فالنظام الاقتصادي الإسلامي على هذا نسيج وحده لأنه يحمل مقومات الاقتصاد الإنساني التكافلي التعاوني الذي تفتقر إليها النظم الاقتصادية المعاصرة. (9).
لم يترك النظام الاقتصادي في الإسلام الإنتاج لجهاز الأثمان فحسب، بل أخضعه للقيم العقائدية الأخلاقية التي يقوم عليها النظام الإسلامي نفسه، فلابد أولاً أن تقوم المؤسسات الإنتاجية على أساس أخلاقي، فتبتغي الكسب الحلال نوعًا وكمًا، فلا يكون الإنتاج في المحرمات من المطعم والملبس والمركوب، ويتقيد أيضًا بكيفية مباحة مشروعة كأن يكون مرابحة أو مضاربة أي مشاركة أو أية صيغة من صيغ الشركات الإسلامية المباحة، وأن لا يمارس المنتجون أنواع الربا المختلفة وأن يتوخوا الربح الحلال والتنافس الشريف، خلافًا لما يقوم به المرابون الرأسماليون الذي يسعون إلى الربح فقط والمزيد من الربح للمؤسسة الخاصة، ولا يضعون اعتبارًا لأية مواضعات أخرى اجتماعية كانت أو اقتصادية.
وعناصر الإنتاج هي الطبيعة والعمل ورأس المال والتنظيم، ويرى بعض علماء الاقتصاد الإسلامي أن عائد الإنتاج يعود على العمل بالأجور وعلى رأس المال بالربح؛ لأن الطبيعة عندهم تقع ملكيتها في توزيع ما قبل الإنتاج وللمنتج منهما المنفعة غير العين والرقبة، فهو يملك منها الوظيفة فقط، أمّا التنظيم فهو عمل وعائده هو الأجر إلا إذا كان المنظِّم مسهمًا في رأس المال فإن له نصيبًا من الربح، ولا يخضع الإنتاج في الإسلام للمعدلات المادية كما هو الحال في النظام الرأسمالي بل يراعي المصلحة الاجتماعية، وقد يقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة إذا دعت الظروف لذلك.
وأساس التوزيع العادل في الإسلام يقوم على التوفيق بين المصالح الفردية والمصالح العامة الاجتماعية، ويقوم على الدعامة الأخلاقية للنظام الإسلامي وهي الدعوة إلى التعاون والتكافل.
إن الزكاة هي أداة الإسلام التي ترمي إلى إعادة توزيع الثروة، ولا يتم التوزيع التلقائي حسب أولويات السوق كما هو الحال في النظام الرأسمالي، أو حسب العمل فقط، كما هو الحال في النظام الاشتراكي، والملاحظ أن آلية نظام السوق لا تعتد بالفروق الاجتماعية ولا تهتم بإعادة التوازن الاقتصادي والاجتماعي، كذلك جعلت مادية علاقات الإنتاج في النظام الاشتراكي الفرد الحر كمًّا مهملاً وسط إيقاع علاقات الإنتاج المادية، أما التبادل في نظام الاقتصاد الإسلامي فقد اهتم به الإسلام ووضع له الرقباء في نظام الحسبة، وهو نظام مراقبة الأسواق، وقنَّن قواعد التبادل، وجعله منفعة متبادلة بين البائع والمشتري يحقق كل منهما أقصى منفعة بقيمة مجزية للطرفين، وجعل الإسلام للتبادل قواعد يراعيها البائع والمشتري، ومن هذه القواعد:
1- أن الإسلام منع تداول السلع الضارة أو التي لا منفعة فيها، وقد ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه".
2- منع الإسلام الغش، فقد ورد في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: "من حمل علينا السلاح فليس من، ومن غشنا فليس منا".
3- منع الإسلام الغَرَر وما شابهه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر، (صحيح مسلم)، وبيع الغرر هو كما يقول الفقهاء: "التردد بين أمرين ليس أحدهما أظهر" مثال ذلك:
أ- أن يُجَهِّل البائع الثمن والمُثمَّن؛ لأن جهلهما غرر.
ب- أن يحدد زمن البيع كبعتك إذا جاء رأس السنة.
ج- أن يعلق البيع على رضا شخص، كبعتك إذا رضي زيد.
د- وبيع المجهول غرر كبيع السمك في الماء والطير في الهواء وهكذا.
4- ألغى الإسلام التدخل غير المشروع بين البائع والمشتري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يسم المسلم على سوم أخيه" (صحيح مسلم)، وقال: "لايتلقى الركبان لبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر". (رواه مسلم).
ومعنى لا يتلقى الركبان لبيع هو استقبال البضاعة خارج السوق؛ لأن هذا فيه تضييع لمصلحة البائع والمشتري الذي ينتظر البضاعة في مكان البيع، أما النجش فهو المزايدة في السعر بدون نية الشراء لرفع سعر السلعة، أما النهي عن البيع للبادي أي القادم من البادية من الحاضر أي الحضري لجهل الأول بالسوق، وتصرية الإبل والغنم أي يمسك عن الحلب فلا يحلبها حتى يكبر ضرعها، فمن اشتراها وهي مُصَرَّاة جاز له أن يحلبها، وهو بالخيار بعد ذلك، فإن رضي بها أمسكها وإن لم يرضَ ردها إلى صاحبها ومعها صاعٌ من تمر عوضًا عما أتلفه من لبنه، وهذا فيه إغلاق لباب الظلم وإظهار لعدل الإسلام.
5- وأوصى الإسلام بتيسير سبل التبادل، وذلك بضبط المقاييس والمكاييل قال تعالى: {ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} [المطففين: 1-3].
6- ضمان حقوق أطراف التعامل، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ (المائدة: 1)، وفي الحديث: "المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا حرَّم حلالاً أو أحل حرامًا". رواه الدارقطني والحاكم.
7- والقاعدة الكبرى هي أن الدولة تقوم بمراقبة التبادل وتقيم نظام الحسبة وتُعيّن المحتسب بحيث لا يختل التبادل في الأسواق ولا يظلم أحدٌ أحدًا؛ فتحفظ بذلك توازن السوق وتحفظ أخلاق الإسلام. (9)
وإضافة إلى هذا كله فقد أتى الإسلام بمباديء اقتصادية عامة لها أثرها في الاقتصاد كقوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا)، وقوله: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)، وفي الحديث: "القصد القصد تبلغوا" أي عليكم بالقصد من الأمور، إلى أمثال ذلك من الآثار التي تحث على التوسط والاعتدال كما هو شأن الإسلام في تشريعاته.
وبعد هذا العرض نستطيع أن نقول: إن الإسلام حقق هدف الاقتصاد من العمل على رفاهية بني الإنسان جميعا، وحقق نظريته التي تتألف من الإنتاج والتوزيع والنقود على نحو عادل لا اضطراب فيه، ولا غبن على أحد.
وعلم الاقتصاد - كما يقول أهله - قد تقدم كثيرا في وضع نظرية الإنتاج، ولكنه اضطرب واشتد اضطرابه في وضع نظرية عادلة للتوزيع.
أما الإسلام فإنه - كما يقول المنصفون من علماء الاقتصاد - قد وضع أسسا وتشريعات ثابتة حكيمة عادلة كل العدل في التوزيع، وبذلك يكون قد انفرد بنظرية فريدة من نوعها في عنصر مهم من عناصر الاقتصاد
الحرية الاقتصادية
الحرية الاقتصادية في الإسلام تقوم على أساس من الحرية الإنسانية؛ لأن الإنسان إذا لم يملك حريته ـ حرية القول والفعل ـ فهو لا يستطيع أن يملك حرية التصرف الاقتصادي، والحرية بهذه الصفة حق يكتسبه الإنسان بدخوله في الإسلام ونطقه بالشهادة، فشهادة أن لا إله إلا الله فيها تحرير للإنسان من العبودية لغير الله، وهي أعلى درجات الحرية؛ إذ أن الإنسان قد تحرر من الاستعباد وعبَّد نفسه للعلي الكبير الذي له الأسماء الحسنى والصفات العُلَى، ولا إله غيره، ولا معبود بحق سواه، فالحرية الحقة المطلقة له وحده، وقد ورد شاهد في القرآن على الحرية الاقتصادية يدل على أنها فرع من الحرية الإنسانية، قال تعالى: {ضرب الله مثلاً عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقًا حسنًا فهو ينفق منه سرًا وجهرًا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} [النحل: 75].إن الحرية الاقتصادية لا تتبلور في التطبيق والممارسة ما لم توافق الحرية الإنسانية؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فالذي لا يملك حرية التصرف أي الحرية الإنسانية لا يستطيع أن يمارس النشاط الاقتصادي الحر، لكن الحرية الإنسانية ليست مطلقة لأنها إنسانية محدودة بوجود الإنسان الجسمي المادي وتركيبه العقلي النفسي وبيئته المادية، وهذا ببساطة يعني أن الإنسان لا يستطيع أن يمارس وجوده وحريته إلا في هذا الإطار المحدود لوجوده الإنساني، وداخل هذه الحدود يقوم النشاط الاقتصادي الإسلامي بالوفاء بحاجات الإنسان المختلفة من الطيبات المباحة والمتاحة، الضرورية منها والكمالية.
وبالنسبة للنظام الاقتصادي الإسلامي يقع هذا الإطار في دائرة ما أباح الله وأحَلَّ من الطيبات، ولا يقوم النشاط الاقتصادي في غيرها من الخبائث والمحرمات، وهذا هو أحد ضوابط الحرية الاقتصادية في النظام الإسلامي، وهناك ضوابط للحرية الاقتصادية كثيرة تتمثل في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضِرار" فهذا الحديث يضع شرطًا لحماية التملك والاتجار هو عدم إلحاق الضرر بالآخرين، وألا يُردَّ الضرر بضرر مثله، وهذا هو الضِّرار، ومن ضوابط الحرية تدخُّل الدولة في النشاط الاقتصادي.
فالحرية الاقتصادية هي أساس النظام الإسلامي، وهي التي تميز نظام الإسلام الاقتصادي عن النظام الرأسمالي الذي يتقيد فقط بقوانين العرض والطلب والقوانين الوضعية التي تمنع السرقة والنهب المُسلَّح والقتل وما إلى ذلك، وكذلك تميز الحرية النشاط الاقتصادي الإسلامي عن النظام الشيوعي الذي يمنع الحرية أولاً وأخيرًا، ولذلك يعتمد النظام على تخطيط الحكومة المركزية؛ إذ أنه اقتصاد أوامر وليس اقتصادًا حرًا، فالنظام الاقتصادي الإسلامي على هذا نسيج وحده لأنه يحمل مقومات الاقتصاد الإنساني التكافلي التعاوني الذي تفتقر إليها النظم الاقتصادية المعاصرة. (9).
الإنتاج والتنمية الاقتصادية في الإسلام
تعني التنمية الاقتصادية عند كثير من الاقتصاديين تحقيق معدلات عالية من الدخل القومي لزيادة دخل الفرد من الناتج القومي بحيث يهدف ذلك إلى تحقيق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للجميع، وفي نظام الاقتصاد الإسلامي، لابد أن يتقيد ذلك بشريعة الحرام والحلال وبضوابط الحرية الاقتصادية التي يخضع لها نظام الإسلام الاقتصادي، والوصول إلى هذا الهدف الاقتصادي لا يمكن تحقيقه دون العمل على زيادة الإنتاج القومي.لم يترك النظام الاقتصادي في الإسلام الإنتاج لجهاز الأثمان فحسب، بل أخضعه للقيم العقائدية الأخلاقية التي يقوم عليها النظام الإسلامي نفسه، فلابد أولاً أن تقوم المؤسسات الإنتاجية على أساس أخلاقي، فتبتغي الكسب الحلال نوعًا وكمًا، فلا يكون الإنتاج في المحرمات من المطعم والملبس والمركوب، ويتقيد أيضًا بكيفية مباحة مشروعة كأن يكون مرابحة أو مضاربة أي مشاركة أو أية صيغة من صيغ الشركات الإسلامية المباحة، وأن لا يمارس المنتجون أنواع الربا المختلفة وأن يتوخوا الربح الحلال والتنافس الشريف، خلافًا لما يقوم به المرابون الرأسماليون الذي يسعون إلى الربح فقط والمزيد من الربح للمؤسسة الخاصة، ولا يضعون اعتبارًا لأية مواضعات أخرى اجتماعية كانت أو اقتصادية.
وعناصر الإنتاج هي الطبيعة والعمل ورأس المال والتنظيم، ويرى بعض علماء الاقتصاد الإسلامي أن عائد الإنتاج يعود على العمل بالأجور وعلى رأس المال بالربح؛ لأن الطبيعة عندهم تقع ملكيتها في توزيع ما قبل الإنتاج وللمنتج منهما المنفعة غير العين والرقبة، فهو يملك منها الوظيفة فقط، أمّا التنظيم فهو عمل وعائده هو الأجر إلا إذا كان المنظِّم مسهمًا في رأس المال فإن له نصيبًا من الربح، ولا يخضع الإنتاج في الإسلام للمعدلات المادية كما هو الحال في النظام الرأسمالي بل يراعي المصلحة الاجتماعية، وقد يقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة إذا دعت الظروف لذلك.
التوزيع والتبادل
التوزيع العادل يقوم على أساس احترام الجهد البشري، فيشحذ الهمم ويؤدي إلى إنتاج أفضل كمًا ونوعًا، والإنتاج الأكبر يؤدي إلى نصيب أكبر من الرفاهية، أما التوزيع غير العادل فيؤدي إلى تراكم الفروق بين الطلب الكلي الاستهلاكي والاستثماري، وبين إنتاج السلع والخدمات المختلفة الاستهلاكية والاستثمارية؛ ممّا يؤدي إلى تقلبات النشاط الاقتصادي والأمراض الاجتماعية التي تنجم عن ذلك، وهذا النمط من التوزيع يثبط همم المشتغلين بالإنتاج ويجعلهم لا يُقبلون على أعمالهم بالقدر الضروري الذي يزيد في الناتج القومي ويؤدي إلى استغلال الموارد المتاحة الاستغلال الأمثل.وأساس التوزيع العادل في الإسلام يقوم على التوفيق بين المصالح الفردية والمصالح العامة الاجتماعية، ويقوم على الدعامة الأخلاقية للنظام الإسلامي وهي الدعوة إلى التعاون والتكافل.
إن الزكاة هي أداة الإسلام التي ترمي إلى إعادة توزيع الثروة، ولا يتم التوزيع التلقائي حسب أولويات السوق كما هو الحال في النظام الرأسمالي، أو حسب العمل فقط، كما هو الحال في النظام الاشتراكي، والملاحظ أن آلية نظام السوق لا تعتد بالفروق الاجتماعية ولا تهتم بإعادة التوازن الاقتصادي والاجتماعي، كذلك جعلت مادية علاقات الإنتاج في النظام الاشتراكي الفرد الحر كمًّا مهملاً وسط إيقاع علاقات الإنتاج المادية، أما التبادل في نظام الاقتصاد الإسلامي فقد اهتم به الإسلام ووضع له الرقباء في نظام الحسبة، وهو نظام مراقبة الأسواق، وقنَّن قواعد التبادل، وجعله منفعة متبادلة بين البائع والمشتري يحقق كل منهما أقصى منفعة بقيمة مجزية للطرفين، وجعل الإسلام للتبادل قواعد يراعيها البائع والمشتري، ومن هذه القواعد:
1- أن الإسلام منع تداول السلع الضارة أو التي لا منفعة فيها، وقد ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه".
2- منع الإسلام الغش، فقد ورد في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: "من حمل علينا السلاح فليس من، ومن غشنا فليس منا".
3- منع الإسلام الغَرَر وما شابهه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر، (صحيح مسلم)، وبيع الغرر هو كما يقول الفقهاء: "التردد بين أمرين ليس أحدهما أظهر" مثال ذلك:
أ- أن يُجَهِّل البائع الثمن والمُثمَّن؛ لأن جهلهما غرر.
ب- أن يحدد زمن البيع كبعتك إذا جاء رأس السنة.
ج- أن يعلق البيع على رضا شخص، كبعتك إذا رضي زيد.
د- وبيع المجهول غرر كبيع السمك في الماء والطير في الهواء وهكذا.
4- ألغى الإسلام التدخل غير المشروع بين البائع والمشتري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يسم المسلم على سوم أخيه" (صحيح مسلم)، وقال: "لايتلقى الركبان لبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر". (رواه مسلم).
ومعنى لا يتلقى الركبان لبيع هو استقبال البضاعة خارج السوق؛ لأن هذا فيه تضييع لمصلحة البائع والمشتري الذي ينتظر البضاعة في مكان البيع، أما النجش فهو المزايدة في السعر بدون نية الشراء لرفع سعر السلعة، أما النهي عن البيع للبادي أي القادم من البادية من الحاضر أي الحضري لجهل الأول بالسوق، وتصرية الإبل والغنم أي يمسك عن الحلب فلا يحلبها حتى يكبر ضرعها، فمن اشتراها وهي مُصَرَّاة جاز له أن يحلبها، وهو بالخيار بعد ذلك، فإن رضي بها أمسكها وإن لم يرضَ ردها إلى صاحبها ومعها صاعٌ من تمر عوضًا عما أتلفه من لبنه، وهذا فيه إغلاق لباب الظلم وإظهار لعدل الإسلام.
5- وأوصى الإسلام بتيسير سبل التبادل، وذلك بضبط المقاييس والمكاييل قال تعالى: {ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} [المطففين: 1-3].
6- ضمان حقوق أطراف التعامل، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ (المائدة: 1)، وفي الحديث: "المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا حرَّم حلالاً أو أحل حرامًا". رواه الدارقطني والحاكم.
7- والقاعدة الكبرى هي أن الدولة تقوم بمراقبة التبادل وتقيم نظام الحسبة وتُعيّن المحتسب بحيث لا يختل التبادل في الأسواق ولا يظلم أحدٌ أحدًا؛ فتحفظ بذلك توازن السوق وتحفظ أخلاق الإسلام. (9)
وإضافة إلى هذا كله فقد أتى الإسلام بمباديء اقتصادية عامة لها أثرها في الاقتصاد كقوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا)، وقوله: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)، وفي الحديث: "القصد القصد تبلغوا" أي عليكم بالقصد من الأمور، إلى أمثال ذلك من الآثار التي تحث على التوسط والاعتدال كما هو شأن الإسلام في تشريعاته.
وبعد هذا العرض نستطيع أن نقول: إن الإسلام حقق هدف الاقتصاد من العمل على رفاهية بني الإنسان جميعا، وحقق نظريته التي تتألف من الإنتاج والتوزيع والنقود على نحو عادل لا اضطراب فيه، ولا غبن على أحد.
وعلم الاقتصاد - كما يقول أهله - قد تقدم كثيرا في وضع نظرية الإنتاج، ولكنه اضطرب واشتد اضطرابه في وضع نظرية عادلة للتوزيع.
أما الإسلام فإنه - كما يقول المنصفون من علماء الاقتصاد - قد وضع أسسا وتشريعات ثابتة حكيمة عادلة كل العدل في التوزيع، وبذلك يكون قد انفرد بنظرية فريدة من نوعها في عنصر مهم من عناصر الاقتصاد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق