ملتقى الاقتصاد:
العوامل المؤثرة في أسعار السلع
لم أقف على كتابٍ يعنى بجمع هذه العوامل المؤثرة في أسعار السلع، ولهذا اجتهدتُ في استحضار بعضها، فأقول: بالتأمل نجد أن هناك العديد من العوامل التي تؤثر في الأسعار، ارتفاعًا وانخفاضًا، ومنها على سبيل التَّمْثيل لا الحصر:
1- جودة السلعة: فالسلعة كلما كانت أكثر جودة كانت أعلى سعرًا، والعكس بالعكس، وهذا من أبجديات قيَم السلع.
2- كلفة المنتج: (المواد الخام، الأيدي العاملة، أجور النقل "سعر البنزين، الديزل، الغاز"، الضرائب، الرسوم الجمركية...)؛ فالسلعة إذا كانت تكلفتها عالية، فهذا بلا شك سينعكس على سعرها، والعكس بالعكس أيضًا.
3- حجم المنافسة: وذلك أن التاجر إذا كان له منافس في السوق، بحيث يعرض نفس السلعة، وبنفس الجودة، فإن هذا سيخلق جوًّا من التنافس لعرض السلعة بأقل سعر ممكن، حتى يتمكن من جذب أكبر قدر ممكن من الزبائن، والعكس بالعكس، فإنَّ التاجر إذا لم يكن له منافس في السوق، فإنه سيمارس سلطته على أرض السوق، بعرض السلعة بالسعر الذي يراه مناسبًا.
4– الاحتكار: وهذا العامل له ارتباط بالعامل السابق، وذلك أن التاجر إذا مارَس أسلوب الاحتكار، فإنه ينأى بسلعته عن المنافسة، لينفرد وحده بالسلعة، من أجل أن يغلو ثمنها، ويحمل الناس على الشراء منه بأغلى الأثمان، ولهذا كان من واجب ولي الأمر أن يمارسَ سُلطته بمنع هذه الممارسات الخاطئة؛ لتعود الأثمان إلى طبيعتها، لا سيما في السلع التي تمس الحاجة إليها.
5- القوة الشرائية للعملة: فالأوراق النقديَّة إذا تحقَّق الاستقْرار النقْدِي في قُوَّتِها الشرائية، فإنها تحافظ على استقرار أسعار السلع، أما إذا مسها داء التضخم، بحيث ضعفتْ قوتها الشرائية، فهذا في كثير من الأحيان ينعكس سلبًا على أسعار السلع، فتغلو الأثمان لتغطي العجز الذي لحق بالعملة.
6- السيولة النقدية: وهذا يحدث عادة مع طروء مكاسب اقتصادية للبلد؛ كارتفاع العوائد النفطية، مما ينتج معه زيادة في السيولة، لا سيما إذا قامت الدولة مثلاً بزيادة رواتب الموظفين، فيحتال كثير من التجار والباعة على العامة بزيادة أسعار السلع؛ بقصد الرفع من مستوى دخْلهم، استغلالاً لارتفاع رواتب الموظفين، ولهذا جرت العادة أن تقوم الدولةُ بتحذير التجار من زيادة أسعار السلع؛ قطعًا للطريق عليهم، ولئلا ينتج عن ذلك تضخم نقدي يضر بمصالح المواطنين.
7- الاستقرار السياسي والأمني: ولا شك أن الاستقرار يلعب دورًا رئيسًا في استقرار أسعار السلع، ولهذا نجد أنَّ كثيرًا منَ الدول التي تعرضتْ لانتكاسات أمنية، أو لحروب طاحنة، أنها تنوء بحمل هذه الأزمات من خلال صور كثيرة؛ منها ما يلحق السلع المعروضة للبيع من تضخم في الأسعار، بسبب عامل الحاجة أو الفقر... إلخ، الذي تولده الحروب والأزمات.
8- الحصار الاقتصادي: وهذا العامل متولد من السابق، فالحصار الذي تفرضه بعض الدول العظمى على الدول المستضعفة، غالبًا ما ينتج عن ظروف سياسية غير مستقرة، فتكون الفرصة سانحة لبعض الدول الظالمة لتمارس جبروتها تحت أية ذريعة كانت، وهذا بطبيعة الحال يورث اضطرابًا في الحياة الاقتصادية يمس الأسعار وغيرها.
9- العرض والطلب: فهما يحملان الأسعار على الارتفاع أو الانخفاض، فكلما زاد العرض وقل الطلب انخفض الثمن، وكلما قل العرض وزاد الطلب ارتفع الثمن، وهذا من القوانين الطبيعية في السوق، ليس في سوق (بيع) السلع فحسب، بل حتى في سوق (الإيجارات)، و(الخدمات)، ونحوها، فأسعار إيجار الدكاكين والشقق ترتفع مع كثرة الطلب وقلة العرض، ولهذا يرتفع إيجار المواقع التجارية التي تدر دخلاً عاليًا، وبالتالي يكثر عليها الطلب، والعكس بالعكس، وهكذا الشأن في الشقق السكنية التي تقع بالقرب من الخدمات التي يحتاجها السكان، وبالتالي يكثر الطلب عليها، ويرتفع سعرها، وهكذا الأجير؛ كالخياط، والحلاق، والجزار، ونحوهم، فإنه يرتفع دخلهم في أيام المواسم؛ حيث يكثر الطلب عليهم في أيام الأعراس، أو الأعياد، وهكذا سائر الخدمات؛ كأماكن الترفيه، وصالات الألعاب، وأماكن (الشاليهات) في أيام الإجازات، فإنه يكثر الطلب عليها بكثرة السياح، والمصطافين، وغيرهم، وبالتالي يستغل بعض التجار هذا الإقبال الكبير برفع الأسعار[8]، إذًا فقانون العرض والطلب له أثره الكبير في رفع الأسعار أو خفضها، ولذا يجب أن يترك على سجيته، والتدخل في هذا القانون بما يخل عمدًا بأسعار السلع من المخالفات الشرعية بل والقانونية، ولم يجز التدخل فيه إلا استثناء، وهذا ما سأبينه في الفصل الثاني، موضحًا في الفصل الأول أساليب التدخل بنوعيه الحكومي وغير الحكومي، وممهدًا له عبر المبحث الآتي، ببيان العوامل المؤثرة في قانون العرض والطلب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق