الثلاثاء، 19 مارس 2013

ملتقى الاقتصاد: عرض مرونة الطلب

ملتقى الاقتصاد: ملتقى الاقتصاد:: ملتقى الاقتصاد: علم الاقتصاد الإسلامي في العصر الحديث بالرغم من الأسس الشرعية والفكرية القديمة للاقتصاد في الفكر الإسلامي إلا أن مصطلح ال...

الجمعة، 8 مارس 2013

العوامل المؤثرة في العرض والطلب

لعوامل المؤثِّرة في العرْض والطلب


هناك العديد من العوامل المؤثرة في العرض والطلب - كثْرة وقلَّة - يمكن تلخيص أبرزها في النقاط الآتية:
سعر السلعة نفسها؛ فهناك علاقة عكسية بين سعر السلعة والكمية المطلوبة منها، فعندما يرتفع سعر السلعة تقل الكمية المطلوبة منها، والعكس صحيح، فعندما ينخفض سعر السلعة تزداد الكمية المطلوبة منها، وذلك بافتراض ثبات العوامل الأخرى، وهكذا توجد علاقة طردية بين سعر السلعة والكمية المعروضة منها، فكلما ارتفع سعر السلعة زادت الكمية المعروضة منها، والعكس صحيح، فكلما انخفض سعر السلعة قلت الكمية المعروضة منها، وذلك بافتراض ثبات بقية العوامل الأخرى[9]، وقد تقدَّمت الإشارة إلى هذا العامل في تعريف قانون العرْض والطلب.

1- دخْل المستهلك: ففي أغلب الحالات توجد علاقة طرديَّة بين دخْل المستهلك وبين الكميات المطلوبة (الطلب) من سلعة ما، فيزيد الطلب على السلعة عندما يزيد الدخل، والعكس صحيح، حيث يقل الطلب على السلعة عندما ينخفض الدخْل[10].

2- أسعار السلع البديلة: ففي أغلب الحالات توجد علاقة طردية بين الكميات المطلوبة (الطلب) من سلعة ما، وبين أسعار السلع البديلة لها، ويقصد بالسلعة البديلة هنا: السلعة التي يمكن أن تُحَقِّق للمستهلك نفس الغرض أو تعطيه نفس الإشباع، وذلك مثل اللحم والدجاج، وعليه فعندما يرتفع سعر السلعة البديلة (اللحم مثلاً)، فإنه يتوقع زيادة الطلب على السلعة الأصلية (الدجاج)، والعكس صحيح، فإنه عندما ينخفض سعر السلعة البديلة، فإن الطلب على السلعة الأصلية سوف يقل، وذلك طبعًا بافتراض بقاء العوامل الأخرى على حالها[11].

3- أسعار السلع المكملة: فمن المتوقع وجود علاقة عكسية بين الكميات المطلوبة (الطلب) من سلعة ما، وبين أسعار السلع المكملة لها، ويقصد بالسلعة المكملة هنا: السلعة التي يلزم وجودها بجانب السلعة الأصلية حتى تحقق الأخيرة الغرض من استخدامها، وتعطي المستهلك الإشباع المرغوب، وذلك مثل: السكر، والشاي، وعليه فإنه عندما يرتفع سعر السلعة المكملة (السكر مثلاً)، فإنه يتوقع انخفاض الطلب من السلعة الأصلية (الشاي)، والعكس صحيح، فإنه عندما ينخفض سعر السلعة المكملة، فإن الطلب من السلعة الأصلية سوف يزداد، وذلك بافتراض ثبات العوامل الأخرى[12].

4- كلفة الإنتاج: فمن الطبيعي وجود علاقة عكسية بين الكميات المعروضة (العرض) من سلعة ما، وبين أسعار العناصر المساهمة في إنتاجها، فارتفاع أسعار عناصر الإنتاج يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج، مما يدفع المنتجين إلى تقليل المعروض من السلعة، وعليه فإنه يزداد العرض من السلعة عندما تنخفض أسعار عناصر الإنتاج، وذلك بافتراض ثبات العوامل الأخرى[13].

5- أسعار السلع الأخرى: فمن المتوقع وجود علاقة عكسية بين أسعار السلع أو المنتجات الأخرى، وبين الكميات المعروضة (العرض) من سلعة ما، وذلك أن ارتفاع أسعار السلع الأخرى سوف يشكل عامل إغراء بالنسبة للمنتجين في تحويل وتوجيه مواردهم وعناصر إنتاجهم من إنتاج هذه السلعة إلى السلع التي ارتفعت أسعارها؛ وذلك لتحقيق أقصى الأرباح، مما يؤدي إلى تقليل العرض من هذه السلعة، والعكس صحيح، وذلك بافتراض ثبات العوامل الأخرى[14].

6- قرارات السلم والحرب الدولية: فقد أثبتت الحروب الطاحنة أنها تساهم بشكل كبير في تقليل عرْض السلع؛ وذلك بسبب انتشار الهلَع والخوف، وهرب العديد من التجار والباعة من المناطق المستهدَفة بالمدفعية والصواريخ... إلخ؛ طلبًا للنجاة، وبالتالي كلما اشتدت الحرب والتهبت نارها، انحسر العرض، وارتفع الطلب تبعًا لذلك، وكلما هدأت الحرب في مكان ما وخف وقعها زاد العرض، ورجع الحال إلى وضعه الطبيعي، بشكل تدريجي.

ولهذا نجد أن الأسواق المالية تتأثَّر تأثُّرًا ملحوظًا بقرارات الحرب والسلم، فيتراجع السوق، ويحمر مؤشر تعاملاته حين يلوح في الأفق أمارات شن الحرب على دولة ما، بل قد يتراجع السوق، فيرتفع العرض، وينحسر الطلب، بمجرد احتمال وقوع الحرب على دولة مجاورة، فضلاً عن كونها طرفًا في هذا الصراع أو ذاك، إذًا فبعض قرارات السياسة الخارجية لها أثرها الإيجابي أو السلبي على سوق السلع أو الأسهم.

7- السياسة الداخلية ذات العلاقة: فبعض سياسات الدولة الداخلية ذات العلاقة بالسوق التجاري، لها أثرها الإيجابي أو السلبي؛ فمثلاً: قرار الدولة بدعم صندوق التنمية العقاري بمخصصات إضافية، ترفع من سقف ميزانية الصندوق مليارات عدة، له أثره الكبير في إنعاش السوق العقاري، وفي زيادة الطلب على الأراضي، من أجل البناء والاستفادة من قروض الصندوق العقاري، وبالتالي ينخفض العرض نظرًا لزيادة الطلب، وكذلك قرار الدولة مثلاً بشأن فسح المجال لغير السعوديين للتداول في سوق المال، له أثره في إنعاش سوق الأسهم؛ لأنه يعطي مؤشرًا على كثرة الطلب على الأسهم، وهكذا...

8- القَرَارات الماليَّة للشركات المساهمة: وهذا بلا شك له أثره الواضح والمشاهد، إيجابًا أو سلبًا، فالقرار الإيجابي للشركة يرفع من سقف الطلب، وبالتالي يرتفع سعر السهم في السوق، والقرار السلبي يخفض الطلب، ويرفع من سقف العرض، وبالتالي ينخفض سعر السهم، ولهذا جاء نظام هيئة سوق المال بوجوب الإفصاح عما تصدره الشركة من قرارات، وبالمنع من تسريب المعلومات الخاصة بالشركة لبعض المساهمين دون بعض، كما في لائحة حوكمة الشركات[15] من المادة الرابعة، وفيها: "يجب توفير جميع المعلومات التي تمكن المساهمين من ممارسة حقوقهم على أكمل وجه، بحيث تكون هذه المعلومات وافية ودقيقة، وأن تقدم وتحدث بطريقة منتظمة، وفي المواعيد المحددة، وعلى الشركة استخدام أكثر الطُّرُق فعالية في التواصل مع المساهمين، ولا يجوز التمييز بين المساهمين فيما يتعلق بتوفير المعلومات"، وما يجب الإفصاح عنه هو كل ما يخص الشركة المساهمة من قرارات، سواء ما يتعلق بالإعلان عن قوائم الشركة المالية، أو ما يتعلق بمشاريعها الاستثمارية... إلخ.

وجاء في المادة الخامسة من لائحة سلوكيات سوق الأسهم[16]: "يحظر على الشخص المطلع أن يفصحَ عن أية معلومات داخلية لأي شخص آخر، وهو يعلم أو يجدر به أن يعلم أن هذا الشخص الآخر من الممكن أن يقوم بالتداول في الورقة المالية ذات العلاقة بالمعلومات الداخلية.."، ولهذا جاء في المادة السادسة من هذه اللائحة[17]: "يحظر على الشخص التداول بناءً على معلومات داخلية"، كما جاء في المادة الثامنة من هذه اللائحة[18] حظر الإشاعات التي تساهم في تضليل المساهمين، ونصها: "يحظر على أي شخص الترويج بشكل مباشر أو غير مباشر لبيان غير صحيح، يتعلق بواقعة جوهرية أو لرأي، بهدف التأثير على سعر أو قيمة ورقة مالية، أو أي هدف ينطوي على تلاعُب"؛ ا.هـ.

9- الفتاوى الشرعية الصادرة بتصنيف الشركة - شرعًا - في دائرة الحلال أو الحرام:
فهذه الفتاوى الفقهية تترك أثرها في السوق، وتحديدًا في المجتمعات المحافظة كالسعودية، ولا سيما إذا كانت الفتوى محل اتِّفاق بين العلماء المعاصرين، لتلقي الناس هذه الفتوى بالرضا والقبول، فالفتوى - مثلاً - بتحريم المساهمة في البنوك الربوية يحمل كثيرًا من الناس على النفور عنها، وعدم المساهمة فيها، وهنا يقل الطلب، ويرتفع العرض، فينخفض السعرُ تبَعًا لذلك.

أما إذا كانت الفتوى في هذه الشركة أو تلك محل خلاف بين العلماء المعاصرين، فإنه يقل أثرها تبعًا لذلك؛ لأن الناس سينقسمون إزاء هذه الفتوى إلى فريقَيْن، وسيتبع كل واحد من الفريقين من يقلده من أهل العلم، وعلى كل حال فهذه الفتاوى ظاهرة صحية وإيجابية متى ما صدرت من علماء ثقات، معروفين بالديانة، وبفهم هذه المعاملات المالية المعاصرة؛ لأن المجتمع في أشد الحاجة إلى من يبصره بأمور دينه، ومعرفة أحكام شرعه المطهر، وإذا كان المواطن المستثمر في هذا السوق بحاجة إلى من يبصره بالجدوى الاقتصادية من هذه الشركة أو تلك، فهو أشد حاجة إلى من يبصره بحكم المساهمة فيها من الناحية الشرعية؛ لأن المسلم الواعي يدرك جيدًا أن التشبُّث بالدين أهم من التشبث بالدنيا الزائلة، وأن المال الحلال يبارك له فيه، وإن كان عائده المالي أقل من عائد المال الحرام، أما القول بأن هذه الفتاوى تلحق الضرر الكبير بالاقتصاد الوطني، والاقتصاد الخاص، فهذا منطق الرأسمالي الذي يؤمن بالسوق الحر، وليس لدينا في شريعتنا سوق حر، فالسوق في البلاد الإسلامية يجب أن يكون ملتزمًا بالضوابط الشرعية، فلا يترك الحبل على الغارب للتاجر ليبتز الناس بالمعاملات المحظورة، سواء بالاحتكار أو بالنجش، أو بالقمار، أو بغيرها من التعاملات التي حرمها الشارع الحكيم، ولا يسد الطريق أمام العلماء ليدلوا برأيهم في المسائل الفقهية المتعلقة بالسوق، بحجة أنه يلحق الضرر به، أو بحجة عدم التخصُّص، أو بحجة العشوائية في طرح الآراء الفقهية... الخ، كما جاء ذلك على لسان بعض الكتاب في جرائدنا المحلية[19].


ملتقى الاقتصاد: ملتقى الاقتصاد:

ملتقى الاقتصاد: 


العوامل المؤثرة في أسعار السلع


لم أقف على كتابٍ يعنى بجمع هذه العوامل المؤثرة في أسعار السلع، ولهذا اجتهدتُ في استحضار بعضها، فأقول: بالتأمل نجد أن هناك العديد من العوامل التي تؤثر في الأسعار، ارتفاعًا وانخفاضًا، ومنها على سبيل التَّمْثيل لا الحصر:
1- جودة السلعة: فالسلعة كلما كانت أكثر جودة كانت أعلى سعرًا، والعكس بالعكس، وهذا من أبجديات قيَم السلع.

2- كلفة المنتج: (المواد الخام، الأيدي العاملة، أجور النقل "سعر البنزين، الديزل، الغاز"، الضرائب، الرسوم الجمركية...)؛ فالسلعة إذا كانت تكلفتها عالية، فهذا بلا شك سينعكس على سعرها، والعكس بالعكس أيضًا.

3- حجم المنافسة: وذلك أن التاجر إذا كان له منافس في السوق، بحيث يعرض نفس السلعة، وبنفس الجودة، فإن هذا سيخلق جوًّا من التنافس لعرض السلعة بأقل سعر ممكن، حتى يتمكن من جذب أكبر قدر ممكن من الزبائن، والعكس بالعكس، فإنَّ التاجر إذا لم يكن له منافس في السوق، فإنه سيمارس سلطته على أرض السوق، بعرض السلعة بالسعر الذي يراه مناسبًا.

4– الاحتكار: وهذا العامل له ارتباط بالعامل السابق، وذلك أن التاجر إذا مارَس أسلوب الاحتكار، فإنه ينأى بسلعته عن المنافسة، لينفرد وحده بالسلعة، من أجل أن يغلو ثمنها، ويحمل الناس على الشراء منه بأغلى الأثمان، ولهذا كان من واجب ولي الأمر أن يمارسَ سُلطته بمنع هذه الممارسات الخاطئة؛ لتعود الأثمان إلى طبيعتها، لا سيما في السلع التي تمس الحاجة إليها.

5- القوة الشرائية للعملة: فالأوراق النقديَّة إذا تحقَّق الاستقْرار النقْدِي في قُوَّتِها الشرائية، فإنها تحافظ على استقرار أسعار السلع، أما إذا مسها داء التضخم، بحيث ضعفتْ قوتها الشرائية، فهذا في كثير من الأحيان ينعكس سلبًا على أسعار السلع، فتغلو الأثمان لتغطي العجز الذي لحق بالعملة.

6- السيولة النقدية: وهذا يحدث عادة مع طروء مكاسب اقتصادية للبلد؛ كارتفاع العوائد النفطية، مما ينتج معه زيادة في السيولة، لا سيما إذا قامت الدولة مثلاً بزيادة رواتب الموظفين، فيحتال كثير من التجار والباعة على العامة بزيادة أسعار السلع؛ بقصد الرفع من مستوى دخْلهم، استغلالاً لارتفاع رواتب الموظفين، ولهذا جرت العادة أن تقوم الدولةُ بتحذير التجار من زيادة أسعار السلع؛ قطعًا للطريق عليهم، ولئلا ينتج عن ذلك تضخم نقدي يضر بمصالح المواطنين.

7- الاستقرار السياسي والأمني: ولا شك أن الاستقرار يلعب دورًا رئيسًا في استقرار أسعار السلع، ولهذا نجد أنَّ كثيرًا منَ الدول التي تعرضتْ لانتكاسات أمنية، أو لحروب طاحنة، أنها تنوء بحمل هذه الأزمات من خلال صور كثيرة؛ منها ما يلحق السلع المعروضة للبيع من تضخم في الأسعار، بسبب عامل الحاجة أو الفقر... إلخ، الذي تولده الحروب والأزمات.

8- الحصار الاقتصادي: وهذا العامل متولد من السابق، فالحصار الذي تفرضه بعض الدول العظمى على الدول المستضعفة، غالبًا ما ينتج عن ظروف سياسية غير مستقرة، فتكون الفرصة سانحة لبعض الدول الظالمة لتمارس جبروتها تحت أية ذريعة كانت، وهذا بطبيعة الحال يورث اضطرابًا في الحياة الاقتصادية يمس الأسعار وغيرها.

9- العرض والطلب: فهما يحملان الأسعار على الارتفاع أو الانخفاض، فكلما زاد العرض وقل الطلب انخفض الثمن، وكلما قل العرض وزاد الطلب ارتفع الثمن، وهذا من القوانين الطبيعية في السوق، ليس في سوق (بيع) السلع فحسب، بل حتى في سوق (الإيجارات)، و(الخدمات)، ونحوها، فأسعار إيجار الدكاكين والشقق ترتفع مع كثرة الطلب وقلة العرض، ولهذا يرتفع إيجار المواقع التجارية التي تدر دخلاً عاليًا، وبالتالي يكثر عليها الطلب، والعكس بالعكس، وهكذا الشأن في الشقق السكنية التي تقع بالقرب من الخدمات التي يحتاجها السكان، وبالتالي يكثر الطلب عليها، ويرتفع سعرها، وهكذا الأجير؛ كالخياط، والحلاق، والجزار، ونحوهم، فإنه يرتفع دخلهم في أيام المواسم؛ حيث يكثر الطلب عليهم في أيام الأعراس، أو الأعياد، وهكذا سائر الخدمات؛ كأماكن الترفيه، وصالات الألعاب، وأماكن (الشاليهات) في أيام الإجازات، فإنه يكثر الطلب عليها بكثرة السياح، والمصطافين، وغيرهم، وبالتالي يستغل بعض التجار هذا الإقبال الكبير برفع الأسعار[8]، إذًا فقانون العرض والطلب له أثره الكبير في رفع الأسعار أو خفضها، ولذا يجب أن يترك على سجيته، والتدخل في هذا القانون بما يخل عمدًا بأسعار السلع من المخالفات الشرعية بل والقانونية، ولم يجز التدخل فيه إلا استثناء، وهذا ما سأبينه في الفصل الثاني، موضحًا في الفصل الأول أساليب التدخل بنوعيه الحكومي وغير الحكومي، وممهدًا له عبر المبحث الآتي، ببيان العوامل المؤثرة في قانون العرض والطلب.

العوامل المؤثرة في أسعار السلع

ملتقى الاقتصاد: 
 ...

العوامل المؤثرة في أسعار السلع


لم أقف على كتابٍ يعنى بجمع هذه العوامل المؤثرة في أسعار السلع، ولهذا اجتهدتُ في استحضار بعضها، فأقول: بالتأمل نجد أن هناك العديد من العوامل التي تؤثر في الأسعار، ارتفاعًا وانخفاضًا، ومنها على سبيل التَّمْثيل لا الحصر:
1- جودة السلعة: فالسلعة كلما كانت أكثر جودة كانت أعلى سعرًا، والعكس بالعكس، وهذا من أبجديات قيَم السلع.

2- كلفة المنتج: (المواد الخام، الأيدي العاملة، أجور النقل "سعر البنزين، الديزل، الغاز"، الضرائب، الرسوم الجمركية...)؛ فالسلعة إذا كانت تكلفتها عالية، فهذا بلا شك سينعكس على سعرها، والعكس بالعكس أيضًا.

3- حجم المنافسة: وذلك أن التاجر إذا كان له منافس في السوق، بحيث يعرض نفس السلعة، وبنفس الجودة، فإن هذا سيخلق جوًّا من التنافس لعرض السلعة بأقل سعر ممكن، حتى يتمكن من جذب أكبر قدر ممكن من الزبائن، والعكس بالعكس، فإنَّ التاجر إذا لم يكن له منافس في السوق، فإنه سيمارس سلطته على أرض السوق، بعرض السلعة بالسعر الذي يراه مناسبًا.

4– الاحتكار: وهذا العامل له ارتباط بالعامل السابق، وذلك أن التاجر إذا مارَس أسلوب الاحتكار، فإنه ينأى بسلعته عن المنافسة، لينفرد وحده بالسلعة، من أجل أن يغلو ثمنها، ويحمل الناس على الشراء منه بأغلى الأثمان، ولهذا كان من واجب ولي الأمر أن يمارسَ سُلطته بمنع هذه الممارسات الخاطئة؛ لتعود الأثمان إلى طبيعتها، لا سيما في السلع التي تمس الحاجة إليها.

5- القوة الشرائية للعملة: فالأوراق النقديَّة إذا تحقَّق الاستقْرار النقْدِي في قُوَّتِها الشرائية، فإنها تحافظ على استقرار أسعار السلع، أما إذا مسها داء التضخم، بحيث ضعفتْ قوتها الشرائية، فهذا في كثير من الأحيان ينعكس سلبًا على أسعار السلع، فتغلو الأثمان لتغطي العجز الذي لحق بالعملة.

6- السيولة النقدية: وهذا يحدث عادة مع طروء مكاسب اقتصادية للبلد؛ كارتفاع العوائد النفطية، مما ينتج معه زيادة في السيولة، لا سيما إذا قامت الدولة مثلاً بزيادة رواتب الموظفين، فيحتال كثير من التجار والباعة على العامة بزيادة أسعار السلع؛ بقصد الرفع من مستوى دخْلهم، استغلالاً لارتفاع رواتب الموظفين، ولهذا جرت العادة أن تقوم الدولةُ بتحذير التجار من زيادة أسعار السلع؛ قطعًا للطريق عليهم، ولئلا ينتج عن ذلك تضخم نقدي يضر بمصالح المواطنين.

7- الاستقرار السياسي والأمني: ولا شك أن الاستقرار يلعب دورًا رئيسًا في استقرار أسعار السلع، ولهذا نجد أنَّ كثيرًا منَ الدول التي تعرضتْ لانتكاسات أمنية، أو لحروب طاحنة، أنها تنوء بحمل هذه الأزمات من خلال صور كثيرة؛ منها ما يلحق السلع المعروضة للبيع من تضخم في الأسعار، بسبب عامل الحاجة أو الفقر... إلخ، الذي تولده الحروب والأزمات.

8- الحصار الاقتصادي: وهذا العامل متولد من السابق، فالحصار الذي تفرضه بعض الدول العظمى على الدول المستضعفة، غالبًا ما ينتج عن ظروف سياسية غير مستقرة، فتكون الفرصة سانحة لبعض الدول الظالمة لتمارس جبروتها تحت أية ذريعة كانت، وهذا بطبيعة الحال يورث اضطرابًا في الحياة الاقتصادية يمس الأسعار وغيرها.

9- العرض والطلب: فهما يحملان الأسعار على الارتفاع أو الانخفاض، فكلما زاد العرض وقل الطلب انخفض الثمن، وكلما قل العرض وزاد الطلب ارتفع الثمن، وهذا من القوانين الطبيعية في السوق، ليس في سوق (بيع) السلع فحسب، بل حتى في سوق (الإيجارات)، و(الخدمات)، ونحوها، فأسعار إيجار الدكاكين والشقق ترتفع مع كثرة الطلب وقلة العرض، ولهذا يرتفع إيجار المواقع التجارية التي تدر دخلاً عاليًا، وبالتالي يكثر عليها الطلب، والعكس بالعكس، وهكذا الشأن في الشقق السكنية التي تقع بالقرب من الخدمات التي يحتاجها السكان، وبالتالي يكثر الطلب عليها، ويرتفع سعرها، وهكذا الأجير؛ كالخياط، والحلاق، والجزار، ونحوهم، فإنه يرتفع دخلهم في أيام المواسم؛ حيث يكثر الطلب عليهم في أيام الأعراس، أو الأعياد، وهكذا سائر الخدمات؛ كأماكن الترفيه، وصالات الألعاب، وأماكن (الشاليهات) في أيام الإجازات، فإنه يكثر الطلب عليها بكثرة السياح، والمصطافين، وغيرهم، وبالتالي يستغل بعض التجار هذا الإقبال الكبير برفع الأسعار[8]، إذًا فقانون العرض والطلب له أثره الكبير في رفع الأسعار أو خفضها، ولذا يجب أن يترك على سجيته، والتدخل في هذا القانون بما يخل عمدًا بأسعار السلع من المخالفات الشرعية بل والقانونية، ولم يجز التدخل فيه إلا استثناء، وهذا ما سأبينه في الفصل الثاني، موضحًا في الفصل الأول أساليب التدخل بنوعيه الحكومي وغير الحكومي، وممهدًا له عبر المبحث الآتي، ببيان العوامل المؤثرة في قانون العرض والطلب.

العرض والطلب

ملتقى الاقتصاد: .

 
وأما العرض: فهو الكمية التي يعرضها المنتجون للبيع في السوق، من سلعة معينة، عند ثمن معين، وفي فترة زمنية معينة[4]؛ إذًا فمُجَرَّد عرْض التاجر أو البائع لسلْعته في السُّوق بغرض البيع يُعَدُّ عرضًا، ومن ذلك عرض المستثمر أو المضارب لأسهُمه في شاشة السوق، فهو من هذا الباب.

وأما الطلب: فهو الرغبة الأكيدة في الشراء التي تؤيدها وتُعَزِّزها قوةٌ شرائية فعليَّة، ومن هذا التعريف للطلب يَتَبَيَّن أن مجرد توفُّر الرغبة لدى الإنسان في الحصول على شيء معين، لا يعتبر "طلبًا" من جانبه على هذا الشيء؛ لأن رغبته هذه لن تؤثر على الكميات المعروضة للبيع من هذا الشيء في السوق، أو على الثمن الذي تُباع به، فهو طلب غير فعلي، أما إذا صاحب تلك الرغبة لدى الإنسان مقْدرة على الشراء الفعلي، بمعنى أن كانتْ لدَيه موارد كافية يستطيع بمقتضاها الحصولُ على هذا الشيء، فإنه يُبَرِّر من جانبه "طلبًا" على هذا الشيء؛ حيث إنَّ رغبتَه في هذه الحالة تستند إلى قوة شرائيَّة تُقَويها وتُعَززها، بحيث يجعل لها تأثيرًا معينًا على الكميات المعروضة للبيع من هذا الشيء في السوق، وعلى الثمن الذي تباع به[5]، وتوضيحًا لهذا أقول: قد يكون لدى "محمد" الرغبة الأكيدة لتملك أسهم شركة من الشركات الكبرى، ولكن ليس لديه قوة شرائية - بمعنى: ليس لديه مال أو المال الكافي - لتملك أسهم تلك الشركة، وبالتالي فمجرد رغبته لا تؤثر على ثمن السلعة المعروضة.

أما تعريف (قانون العرض) باعتباره لقبًا، فيعرِّفه الاقتصاديون بأنه: العلاقة الطردية بين ثمن السلعة والكمية المعروضة منها، هذه العلاقة هي ما يسمى بـ"قانون العرض" الذي ينطوي على أن الكمية المعروضة من سلعة معينة تتغير تغيرًا طرديًّا بوجه عام مع تغيُّر الثمن الذي تباع به في السوق، فتزيد بارتفاعه، وتقل بانخفاضه[6].

وأما تعريف (قانون الطلب) فيعرفونه بأنه: العلاقة العكسية بين ثَمَن السلعة والكمية المطلوبة منها، هذه العلاقة هي ما يسمى بـ"قانون الطلب" الذي ينطوي على أن الكمية المطلوبة من سلعة معينة تتغير تغيرًا عكسيًّا بوجه عام مع تغيُّر الثمن الذي تباع به في السوق، فتزيد بانخفاضه، وتقل بارتفاعه[7].

ملتقى الاقتصاد:

ملتقى الاقتصاد:

علم الاقتصاد الإسلامي في العصر الحديث
بالرغم من الأسس الشرعية والفكرية القديمة للاقتصاد في الفكر الإسلامي إلا أن مصطلح الاقتصاد الإسلامي في حد ذاته لم يظهر إلا في أواخر القرن الرابع عشر الهجري أو في النصف الثاني من القرن العشرين، ولا بد من القول أن ظهور المصطلح لم يكن مجرد عثور على اسم لشيء موجود، بل كان يعني أكثر من هذا على سبيل التأكيد، لقد كان المصطلح مرتبطاً بعدة أمور، بالرغبة في إقامة نظام اقتصادي عصري في إطار الشريعة الإسلامية، وصياغة نظريات وسياسات اقتصادية تلائم الاحتياجات الواقعية للأقطار الإسلامية وتساعدها على تحقيق التقدم.
لقد ظهرت الرغبة في إقامة نظام اقتصادي عصري يحفظ هوية الأقطار الإسلامية ويحقق مصالحها وقوتها إثر انهيار الدولة العثمانية (التي اعتبرت آخر حلقات الخلافة في الدولة الإسلامية الكبرى) وظهور النزعات الاستقلالية في الأقطار الإسلامية التي وقعت تحت سيطرة الدول الغربية الاستعمارية، ولم تكن السلطات الاستعمارية تُخفي نزعتها الفكرية المسيحية في التأثير على الثقافة والتعليم وتوجهاتها في إعادة صياغة التشريعات ووضع القوانين التي تتفق مع توجهاتها العلمانية، وذلك على المستويين المدني والتجاري، وكل هذا مما أثار حفيظة الصفوة من المثقفين الوطنيين وجعلهم أكثر رغبة واستعداداً لخوض معركة الاستقلال الفكري للحفاظ على الهوية الإسلامية.
وكان من الشائع في خضم هذه المعركة الفكرية أن الاستقلال السياسي ضرورة لتصفية التبعية الفكرية، وأن الاستقلال الاقتصادي في الإطار الإسلامي هو القاعدة الأساسية للاستقلال السياسي، ومما قوّى حافز الصفوة من المثقفين والوطنيين الإسلاميين ورغبتهم في تحقيق الهوية الاقتصادية الإسلامية ظهور حركات ومذاهب اقتصادية جديدة مضادة للنظام الرأسمالي مثل الاشتراكية التعاونية والماركسية؛ فقد كان ثمة اعتقاد شائع بأن الرأسمالية هي سر سيطرة الغرب وأنها الطريق الوحيد إلى القوة.
وفي إطار مناخ التحدي للرأسمالية العالمية تزايدت الدعوة لإحياء الشريعة والقيم والنظم الإسلامية بآليات مناسبة حتى تتم مواجهة الرأسمالية وتحدياتها الاستعمارية، ويمكن للأقطار الإسلامية التخلص من سيطرة الحركات والأفكار الجديدة التي لا تتفق أيضاً مع الشريعة الإسلامية وتحقق التقدم في المجال الاقتصادي، وقد صار من الجلي ما للقوة الاقتصادية من أهمية عظمى في البناء السياسي والاجتماعي، وهكذا ظهر الاهتمام بإقامة الاقتصاد الإسلامي فكراً وتطبيقاً منذ أوائل القرن العشرين في غمرة أحداث وتطورات عديدة داخل الأقطار الإسلامية وخارجها.
وفي الفترة التالية للحرب العالمية الثانية نالت الأقطار الإسلامية الواحدة تلو الأخرى استقلالها السياسي من الدول الاستعمارية الغربية وبدأت مسيرتها لتحقيق التنمية الاقتصادية، وفي ذلك الإطار الجديد ظهرت عدة توجهات فكرية وسياسية تستهدف العمل على إقامة أو إعادة تشكيل النظام الاقتصادي والتأثير في السياسات الاقتصادية الكلية، ومن أبرز هذه التوجهات:
1- التوجه إلى إقامة نظام اقتصادي وطني مستقل ينخفض فيه الاعتماد على الخارج، وتُعطى فيه أولوية للسياسات التي تهتم بتلبية احتياجات السكان الأساسية، وتعمل على تحقيق التنمية اعتماداً على الموارد الذاتية بصفة أساسية.
2- الحفاظ على النظام الاقتصادي السابق للاستقلال من حيث هويته الرأسمالية، واستمرار اعتماد السياسات التي تؤكد الصلة بالعالم الخارجي وبالدول الاستعمارية السابقة، ولكن على أسس جديدة تسعى لتحقيق المصلحة الوطنية.
3- العمل على إقامة نظام اقتصادي ذي نزعة اشتراكية (أو اجتماعية) يتعاظم فيه دور القطاع العام، والارتباط مع الكتلة الشرقية على المستوى العالمي بدلاً من الكتلة الغربية الرأسمالية.
4- المناداة بإقامة نظام اقتصادي إسلامي يسعى لتحقيق المصالح الاقتصادية في إطار وطني مستقل، والحفاظ على علاقات متوازنة مع العالم الخارجي مع السعي إلى تحقيق التكامل مع بقية الأقطار الإسلامية.
ولقد لقي التوجه الأول تأييداً عريضاً، وكان أكثر التوجهات بروزاً من الناحية الواقعية خلال الخمسينات والستينات، خاصة على مستوى الكثير من الأقطار الإسلامية، وبقي التوجه الثاني محدوداً إلا أنه كان قوياً من حيث التأكيد على العلاقات الاقتصادية بالعالم الخارجي، وقد عملت الدول الاستعمارية السابقة من جهتها على دعم هذا التوجه من خلال تنظيمات، مثل الكومنولث البريطانيBritish Commonwealth والكتلة الفرانكفونية (فرنسا)، وذلك لأجل استمرار مصالحها الاقتصادية.
أما التوجه الاشتراكي فقد لقي رواجاً في عدد من الأقطار الإسلامية خلال الستينات والسبعينات والثمانينات، وقد لقي هذا التوجه تأييداً ودعماً من الاتحاد السوفيتي السابق إلى أن انـهار هذا في بداية التسعينات، وانـهارت معه التجربة الاشتراكية على المستوى العالمي.
وبالنسبة للتوجه الإسلامي فقد وجد طريقه إلى الواقع في حالات معدودات وهي باكستان والمملكة العربية السعودية والسودان وإيران، ولكنه ما يزال في طور التجريب إلى الآن، أما في بقية الأقطار الإسلامية فإنه بالرغم من أن التوجه الإسلامي لقي تأييداً شعبياً كبيراً منذ حصولها على الاستقلال السياسي إلا أنه لقي أيضاً تحديات ومعارضات سياسية هائلة من الداخل ومن الخارج على حدٍّ سواء، وقد استهدفت المعارضة أحياناً القضاء على التوجه الإسلامي، وأحياناً أخرى دمجه، أو مزجه مع التوجه الوطني الرأسمالي أو مع التوجه الاشتراكي.
وخلال نصف قرن مضى الآن على حصول معظم الأقطار الإسلامية على استقلالها السياسي لم تنجح الأنظمة الاقتصادية البديلة للنظام الإسلامي في تحقيق الاستقلال السياسي لهذه الأقطار، أو دفع عجلة التنمية فيها على نحو يقلل من الفجوة الاقتصادية بينها وبين الدول المتقدمة، على العكس من ذلك فقد عانى العديد من الأقطار الإسلامية من ازدياد حدّة المشكلات الاقتصادية في شكل عجز مستمر في موازين المدفوعات وارتفاع غير عادي في الدين العام الخارجي وكذلك الدين العام الداخلي واشتداد حدّة التضخم وزيادة حالة الفقراء سوءًا.
ولقد تسببت هذه التطورات في نقد الأنظمة الاقتصادية القائمة وإثارة التساؤلات عن ملائمتها وجدوى استمرارها، وقد أتاح هذا لأصحاب التوجهات الإسلامية سواء من المفكرين أو من العاملين في المجالات السياسية والاجتماعية أن يطرحوا بقوة قضية الاقتصاد الإسلامي، والذي من خلاله يمكن تقديم علاج شامل ويتلاءم مع البيئة العقدية والاجتماعية لعامة الناس، وفي هذا المناخ لم تنقطع اجتهادات المفكرين الإسلاميين في تحليل مشكلات مجتمعاتهم وعرض أنواع العلاج الملائمة لها في إطار إسلامي.
وهكذا تطور الفكر الاقتصادي الإسلامي الحديث وظهرت إسهامات عديدة عن خصائص النظام الاقتصادي الإسلامي، وفي مجالات النقود والربا والبنوك الإسلامية والزكاة والضرائب والتنمية الاقتصادية والتضخم وكيفية تحقيق الاستقرار النقدي، وكذلك في مجال التعاون والتكامل الاقتصادي بين الأقطار الإسلامية.
وبطبيعة الأمر فإن بعض هذه الإسهامات يقل من جهة الإتقان العلمي، أو القابلية للتطبيق العلمي عن البعض الآخر، ولكنها جميعاً اتجهت إلى محاولة إرساء معالم نظام اقتصادي إسلامي ووضع قواعد لعلم اقتصادي إسلامي حديث، وكان للمؤتمرات والندوات العلمية العالمية في الاقتصاد الإسلامي دور كبير في تنظيم الإسهامات الفكرية وتمحيصها.
وكان لجامعة الملك عبد العزيز في جدة فضل في المبادرة بأول مؤتمر عالمي للاقتصاد الإسلامي أُقيم في مكة المكرمة عام 1976م، كما كان للمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية دور كبير في إقامة وإنجاح معظم الندوات والمؤتمرات التي أُقيمت، ولقد عُقدت هذه المؤتمرات والندوات على نحو شبه مستمر منذ أن عُقد الأول منها في مكة المكرمة، وتم نشر أعمالها أيضاً على مستوى عالمي باللغتين العربية والإنجليزية وأحياناً الفرنسية أو بلغات أخرى.
التجديد في الجوانب المؤسسية للاقتصاد الإسلامي
لقي الاقتصاد الإسلامي أيضاً دفعة كبيرة في الجانب المؤسسي في ربع القرن الأخير على جبهتين أساسيتين: التعليم والمصرفية، فعلى مستوى التعليم الجامعي الأول والعالي في الأقطار الإسلامية تم إنشاء أقسام علمية أو شعب متخصصة في الاقتصاد الإسلامي في جامعة أم القرى وجامعات أخرى بالمملكة العربية السعودية، وفي جامعة أم درمان الإسلامية وخمس جامعات أخرى بالسودان وفي إيران، وتم إنشاء المعهد العالي للاقتصاد الإسلامي في إسلام أباد بباكستان، وكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية بالجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا والتي تمنح درجات جامعية في الاقتصاد مع إعطاء الأهمية الكبرى لمقررات الاقتصاد الإسلامي، وغير ذلك هناك عدد من الجامعات في العالم الإسلامي تعرض مقررات ودبلومات متخصصة في الاقتصاد الإسلامي ضمن مقرراتها الأكاديمية منها جامعة الإسكندرية بمصر، وجامعة اليرموك في الأردن، وجامعة الأوزاعي في لبنان، وفي هذا الإطار تخرجت أعداد كبيرة من الشباب الجامعي الذين يحملون فكراً اقتصادياً إسلامياً قابلاً للتطبيق والتطوير، كما تم إنجاز عشرات من الرسائل العلمية في الاقتصاد الإسلامي على مستوى الماجستير والدكتوراه.
أما خارج العالم الإسلامي فقد وجد علم الاقتصاد الإسلامي طريقه أيضاً إلى عدد من الجامعات والمعاهد العليا، كما لقي احتراماً من بعض المنظمات الدولية (كصندوق النقد الدولي IMF) وعلى سبيل المثال فإن جامعة Loughborough وجامعة Durham في وسط وشمال انجلترا تقدم مقررات متخصصة في الاقتصاد الإسلامي ولدى الأخيرة برنامج على مستوى الماجستير يتيح التخصص في التمويل الإسلامي.. وهناك أيضاً المعهد الدولي للاقتصاد الإسلامي والتأمين بجامعة لندن، والمعهد العالي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة.
وبالرغم من هذه التطورات المهمة فإن دراسة الاقتصاد الإسلامي سواء من خلال أقسام متخصصة أو مقررات أو غير ذلك ما زالت تحتل مكانة نسبية بسيطة جداً أو لا تذكر على مستوى جامعات العالم الإسلامي، فما زال معظم هذه الجامعات أو جميعها في بعض الأقطار الإسلامية لا يعرض سوى المقررات الاقتصادية الوضعية، ويُعزى هذا الوضع إلى ثلاثة أسباب رئيسة: أوله:ا تلقي معظم أساتذة الاقتصاد في جامعات العالم الإسلامي تعليمهم الجامعي في جامعات غربية، أو جامعات وطنية تعمل بمناهج علمانية وضعية في إطار الفلسفات الغربية، وثانيها: مقاومة كبار المسئولين في الأقطار الإسلامية للاتجاهات التعليمية الإسلامية تحت ضغوط من الدول الغربية، ومخاوف من هذه الاتجاهات وانعكاساتها السياسية، وثالثها: غياب أو ضعف أو عدم اكتمال الإعداد لمقررات الاقتصاد الإسلامي والمادة العلمية المناسبة فيها، وبينما يرجع السببين الأول والثاني إلى عوامل خارجة عن نطاق سيطرة الاقتصاديين الإسلاميين فإن المسئولية تقع عليهم فيما يخص السبب الثالث.
أما المسئولية المصرفية الإسلامية فقد تنامت من حيث العدد من بنكين اثنين (أحدهما في مصر والثاني في باكستان) في الستينات إلى نحو سبعين في بداية القرن الحادي والعشرين، بالإضافة إلى عدد آخر ليس قليلا من البنوك التجارية التي عملت على تنويع نشاطها بفتح نوافذ مصرفية إسلامية، أو التي اتخذت خطوات فعلية للتحول إلى العمل المصرفي الإسلامي. وأكدت الأبحاث والدراسات نمو النشاط المصرفي الإسلامي بقوة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين.
وكان لتميز البنوك الإسلامية بالمعاملات الخالية من الربا أثر كبير في إقبال أصحاب المدخرات الحريصين على دينهم في الاستثمار من خلالها، لكن الحقبة الأخيرة شهدت تراجعاً نسبياً في المصارف الإسلامية لأسباب عديدة منها الهجوم عليها بحجة أن الأساس الذي تقوم عليه وهو ربوية نظام الفائدة غير صحيح (الأمر الذي استند إلى فتاوى دينية رسمية للأسف)، ومنها عدم ملائمة التشريعات المصرفية الوضعية لها وتطبيق لوائح البنوك المركزية بحذافيرها عليها رغم اختلاف نوعية نشاطها الاستثماري عن النشاط الإقراضي للبنوك التجارية.
إلا أننا نرى أن من أخطر ما يوجه للمصارف الإسلامية هو عدم قدرتها على تمييز نشاطها المصرفي عن النشاط المصرفي التجاري بشكل واضح، فقد اعتمدت هذه المصارف الإسلامية في توظيف معظم مواردها على صيغة المرابحة للآمر بالشراء والتي لاقت انتقاداً من الفقهاء والاقتصاديين الإسلاميين كما لاقت تشهيراً من غيرهم، ويرجع هذا إلى عدم فهم جوهر التمويل المصرفي الإسلامي من قبل الأجهزة الإدارية والعديد من العاملين في هذه المصارف، كما يرجع أيضاً إلى عدم القدرة على تجديد وسائل التمويل الإسلامية التقليدية، أو ابتكار الجديد منها في إطار الشريعة الإسلامية، والمسئولية هنا تقع - ولا شك - على رجال الاقتصاد الإسلامي، وهذا ما سوف يُشار إليه فيما بعد عند استعراض وتقويم أعمال البحث في هذا المجال.
وثمة ارتباط لا بد أن يُشار إليه هنا بين نمو المؤسسة المصرفية الإسلامية ونمو المؤسسة التعليمية في مجال الاقتصاد الإسلامي، ذلك لأن نمو الأولى بشكل صحي ومطرد كان يمكن أن يُهيئ فُرصاً متزايدة للعمل بالنسبة للجامعيين المتخصصين في الاقتصاد الإسلامي، فلقد كان منتظراً في السبعينيات أن يستمر توسع المصارف الإسلامية وتوسع الاستثمارات والأعمال الإسلامية الممولة من خلالها؛ فيستمر نمو فرص العمل والوظائف في الإطار الاقتصادي الإسلامي؛ لذلك فإن ثمة ملاحظة يمكن تسجيلها عن اقتران قلة إقبال الطلاب على التخصص في الاقتصاد الإسلامي (في الجامعات الرائدة في هذا المجال) وقلة فرص العمل الجديدة سواء في المصارف الإسلامية أو في المشروعات الممولة من خلالها، هذه العلاقة يجب بحثها بدقة للتعرف على مدى خطورتها وكيفية معالجتها.
وما زال الجانب المؤسسي في الاقتصاد الإسلامي في حاجة إلى التحديد، فهذا الجانب يمثل العمود الفقري للنظام الاقتصادي الإسلامي، ولا نستطيع أن نفترض قيام هذا النظام دفعة واحدة ولا نتصور أيضاً قيامه دون التنظير للمؤسسات التي يعتمد عليها.
وهناك مؤسسات كانت قائمة قبل انتشار الدعوة إلى الاقتصاد الإسلامي المعاصر وما تزال كمؤسسة الزكاة، فكيف يمكن تنمية مؤسسة الزكاة في الإطار الرسمي؟ ومن جهة أخرى كيف يمكن إحياء مؤسسات إسلامية مهمة كالوقف أو الحسبة؟ والأمر هنا يحتاج إلى أبحاث مستفيضة لا تكتفي ببيان الجوانب النظرية لهذه المؤسسات، وإنما أيضاً بالآليات الضرورية لنجاحها عملياً في القضايا الإسلامية المعاصرة. (11)
الاقتصاد بين الإسلام والنظم الوضعية
إذا قارنا نظام الإسلام الاقتصادي بالنظام الرأسمالي مثلاً نجد أن الفلسفة التي تحرك النظام الرأسمالي هي الحرية الفردية التي تتيح لكل إنسان أن يسعى إلى تحقيق مصلحته الشخصية أولاً، وفي سعيه لتحقيق مصلحته الشخصية تتحقق المصلحة العامة المشتركة بينه وبين المجتمع، ولأن الصالح المشترك الأكبر يتكون من مجموع أجزائه، فإن إعاقة المصالح الشخصية فيه تقليل من مجموع المصالح المشتركة الكبرى.
يقول العالم الاقتصادي آدم سميث: "إننا لا نتوقع أن يتكرم علينا الجزار أو الخباز بطعام العشاء، لكننا نتوقعه من اعتبارهما لمصلحتهما الشخصية، ونحن لا نخاطب إنسانيتهما لكن نخاطب حبهما لنفسيهما، ولانتحدث عن ضروراتنا، لكن عن مكاسبهما".
فالنظام الرأسمالي علَّق النشاط الاقتصادي على المصلحة الشخصية وعلى المنفعة المتبادلة بين الفرد والمجتمع، وآلية جهاز الثمن كالعرض والطلب هي التي تجعل هذا الهدف سهلاً ميسورًا للجميع. والفرق بين هذه النظرة المنفعية والنظرة الإسلامية هو أن نظام الإسلام يعتبر النشاط الاقتصادي نفسه عبادة، والعمل والاستثمار والاتجار تقربًا لله سبحانه، ويضع في الحسبان مصلحة الآخرين ومصلحة المجتمع قبل المصلحة الشخصية، فعن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، فالاقتصاد الرأسمالي اتجه وجهة ذاتية نفعية، واتجه الاقتصاد الإسلامي وجهة غيرية إيثارية لاختلاف التصور المذهبي للحياة وما بعد الحياة.
أما المذهب الشيوعي فيختلف اختلافًا جذريًا عن المذهب الإسلامي في أنه ينكر أساسيات الحياة الإنسانية كنكرانه للملكية الفردية، ونكرانه للحرية الاقتصادية، واعتماده على التخطيط المركزي أساسًا للنشاط الاقتصادي، كل هذه العوامل تجعل الاقتصاد المركزي الشيوعي اقتصادًا مركزيًا جامدً، وقد يتفق مع النظام الإسلامي في دعم الملكية العامة لكن ليس باعتبارها ملكية مركزية لاحَظَّ للمجتمع فيها إلا بإذن الدولة بل العكس في الإسلام هو الصحيح؛ إذ أن المالك الحقيقي في الملكية العامة هو الأمة، والدولة خادمة للأمة ووكيلة عنها في المال العام، وليس لها حق التصرف إلا من خلال التفويض الإلهي المنصوص عليه في التشريعات الاقتصادية الإسلامية.
وطبيعة النظام في الدولة الإسلامية طبيعة شورية وليست دكتاتورية تسلطية، لذلك فإن المذهب الشيوعي بالإضافة إلى أنه ينافي الإيمان بالله واليوم الآخر الذي هو أساس المذهب الإسلامي، فإنه ينافي أيضًا أسس العدالة الإسلامية التي تقوم على البر والإحسان والتكافل الاجتماعي ولا تقوم على التناحر والتقاتل والصراع الطبقي، والتي من شأنها أيضًا ألا تجعل العلاقات الإنتاجية محورًا للعلاقات الإنسانية الاجتماعية، وإنما تجعل علاقات الإنتاج خاضعة للعلاقات الإيمانية الإنسانية بين المسلم وأخيه المسلم، كما جاء في هدي الرسول صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمى". رواهما مسلم.
وبهذا يكون الإنتاج وعلاقاته تابعة لمشاعر الإنسان وأحاسيسه، مسخرة له ولوعيه وعقله، يغيِّر فيها كما يشاء، ولا يكون وعي الإنسان وعقله وإحساسه ومشاعره وعلاقاته الاجتماعية معلقة بحبل علاقات الإنتاج، تسوء إذا ساءت وتتحسن إذا تحسنت؛ لأن هذه الآلية ليست من شيم الإنسان العاقل الحر، بل هي من طباع العجماوات، ومن صفة الجمادات التي لا تحس ولا تشعر. (موقع: "الموسوعة العربية العالمية").
الإيمان .. العنصر المفقود في علم الاقتصاد الحديث
الحديث عن العالم الإسلامي اليوم واقتصادياته يُثِيرُ تساؤلاً أساسيًّا في ذهن المرء ويستوقفه حين يفكر بالأمر: لماذا هذا التخلف الاقتصادي لدول يدعو دينها إلى التقدم والحضارة واحترام قيم العمل، ويعتبر عمارة الأرض جزءاً أساسيًّا من عبادتها ومشروعها الحضاري؟!!
والإجابة لا تحتاج إلى كثير من التفكير، فهذه الدول منذ استقلالها "الرسمي" من الاستعمار الغربي فقدت الذاتية في اختيار نماذج التنمية التي تتبعها، فضلاً عن ممارسات خاطئة من قبل الإدارات الاقتصادية لكثير من هذه الدول جنحت إلى المصالح الشخصية، وعلى رأس الأمر: عدم وجود رؤية تعكس المصالح القومية والوطنية لهذه البلدان.
في كتابه "المسلم في عالم الاقتصاد"، رصد المفكِّر الإسلامي المتميز "مالك بن نبي" - رحمه الله - حقيقة مهمة وهي أن المعادلة الاجتماعية في البلاد الإسلامية تختلف عنها في المجتمعات الغربية، ودلَّل على ذلك بتجربة إندونيسيا بعد استقلالها في مطلع الستينيات، عندما استعانت بالعالِم الاقتصادي الألماني "شخت" ليضع لها خطة التنمية الاقتصادية، وكانت نتيجتها الفشل، بينما الرجل هو واضع خطة النهوض بالاقتصاد الألماني بعد الحرب العالمية الثانية، والتي خرجت منها ألمانيا بهزيمة أتت على الأخضر واليابس.

ملتقى الاقتصاد:

ملتقى الاقتصاد:

الحرية الاقتصادية
الحرية الاقتصادية في الإسلام تقوم على أساس من الحرية الإنسانية؛ لأن الإنسان إذا لم يملك حريته ـ حرية القول والفعل ـ فهو لا يستطيع أن يملك حرية التصرف الاقتصادي، والحرية بهذه الصفة حق يكتسبه الإنسان بدخوله في الإسلام ونطقه بالشهادة، فشهادة أن لا إله إلا الله فيها تحرير للإنسان من العبودية لغير الله، وهي أعلى درجات الحرية؛ إذ أن الإنسان قد تحرر من الاستعباد وعبَّد نفسه للعلي الكبير الذي له الأسماء الحسنى والصفات العُلَى، ولا إله غيره، ولا معبود بحق سواه، فالحرية الحقة المطلقة له وحده، وقد ورد شاهد في القرآن على الحرية الاقتصادية يدل على أنها فرع من الحرية الإنسانية، قال تعالى: {ضرب الله مثلاً عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقًا حسنًا فهو ينفق منه سرًا وجهرًا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} [النحل: 75].
إن الحرية الاقتصادية لا تتبلور في التطبيق والممارسة ما لم توافق الحرية الإنسانية؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فالذي لا يملك حرية التصرف أي الحرية الإنسانية لا يستطيع أن يمارس النشاط الاقتصادي الحر، لكن الحرية الإنسانية ليست مطلقة لأنها إنسانية محدودة بوجود الإنسان الجسمي المادي وتركيبه العقلي النفسي وبيئته المادية، وهذا ببساطة يعني أن الإنسان لا يستطيع أن يمارس وجوده وحريته إلا في هذا الإطار المحدود لوجوده الإنساني، وداخل هذه الحدود يقوم النشاط الاقتصادي الإسلامي بالوفاء بحاجات الإنسان المختلفة من الطيبات المباحة والمتاحة، الضرورية منها والكمالية.
وبالنسبة للنظام الاقتصادي الإسلامي يقع هذا الإطار في دائرة ما أباح الله وأحَلَّ من الطيبات، ولا يقوم النشاط الاقتصادي في غيرها من الخبائث والمحرمات، وهذا هو أحد ضوابط الحرية الاقتصادية في النظام الإسلامي، وهناك ضوابط للحرية الاقتصادية كثيرة تتمثل في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضِرار" فهذا الحديث يضع شرطًا لحماية التملك والاتجار هو عدم إلحاق الضرر بالآخرين، وألا يُردَّ الضرر بضرر مثله، وهذا هو الضِّرار، ومن ضوابط الحرية تدخُّل الدولة في النشاط الاقتصادي.
فالحرية الاقتصادية هي أساس النظام الإسلامي، وهي التي تميز نظام الإسلام الاقتصادي عن النظام الرأسمالي الذي يتقيد فقط بقوانين العرض والطلب والقوانين الوضعية التي تمنع السرقة والنهب المُسلَّح والقتل وما إلى ذلك، وكذلك تميز الحرية النشاط الاقتصادي الإسلامي عن النظام الشيوعي الذي يمنع الحرية أولاً وأخيرًا، ولذلك يعتمد النظام على تخطيط الحكومة المركزية؛ إذ أنه اقتصاد أوامر وليس اقتصادًا حرًا، فالنظام الاقتصادي الإسلامي على هذا نسيج وحده لأنه يحمل مقومات الاقتصاد الإنساني التكافلي التعاوني الذي تفتقر إليها النظم الاقتصادية المعاصرة. (9).
الإنتاج والتنمية الاقتصادية في الإسلام
تعني التنمية الاقتصادية عند كثير من الاقتصاديين تحقيق معدلات عالية من الدخل القومي لزيادة دخل الفرد من الناتج القومي بحيث يهدف ذلك إلى تحقيق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للجميع، وفي نظام الاقتصاد الإسلامي، لابد أن يتقيد ذلك بشريعة الحرام والحلال وبضوابط الحرية الاقتصادية التي يخضع لها نظام الإسلام الاقتصادي، والوصول إلى هذا الهدف الاقتصادي لا يمكن تحقيقه دون العمل على زيادة الإنتاج القومي.
لم يترك النظام الاقتصادي في الإسلام الإنتاج لجهاز الأثمان فحسب، بل أخضعه للقيم العقائدية الأخلاقية التي يقوم عليها النظام الإسلامي نفسه، فلابد أولاً أن تقوم المؤسسات الإنتاجية على أساس أخلاقي، فتبتغي الكسب الحلال نوعًا وكمًا، فلا يكون الإنتاج في المحرمات من المطعم والملبس والمركوب، ويتقيد أيضًا بكيفية مباحة مشروعة كأن يكون مرابحة أو مضاربة أي مشاركة أو أية صيغة من صيغ الشركات الإسلامية المباحة، وأن لا يمارس المنتجون أنواع الربا المختلفة وأن يتوخوا الربح الحلال والتنافس الشريف، خلافًا لما يقوم به المرابون الرأسماليون الذي يسعون إلى الربح فقط والمزيد من الربح للمؤسسة الخاصة، ولا يضعون اعتبارًا لأية مواضعات أخرى اجتماعية كانت أو اقتصادية.
وعناصر الإنتاج هي الطبيعة والعمل ورأس المال والتنظيم، ويرى بعض علماء الاقتصاد الإسلامي أن عائد الإنتاج يعود على العمل بالأجور وعلى رأس المال بالربح؛ لأن الطبيعة عندهم تقع ملكيتها في توزيع ما قبل الإنتاج وللمنتج منهما المنفعة غير العين والرقبة، فهو يملك منها الوظيفة فقط، أمّا التنظيم فهو عمل وعائده هو الأجر إلا إذا كان المنظِّم مسهمًا في رأس المال فإن له نصيبًا من الربح، ولا يخضع الإنتاج في الإسلام للمعدلات المادية كما هو الحال في النظام الرأسمالي بل يراعي المصلحة الاجتماعية، وقد يقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة إذا دعت الظروف لذلك.
التوزيع والتبادل
التوزيع العادل يقوم على أساس احترام الجهد البشري، فيشحذ الهمم ويؤدي إلى إنتاج أفضل كمًا ونوعًا، والإنتاج الأكبر يؤدي إلى نصيب أكبر من الرفاهية، أما التوزيع غير العادل فيؤدي إلى تراكم الفروق بين الطلب الكلي الاستهلاكي والاستثماري، وبين إنتاج السلع والخدمات المختلفة الاستهلاكية والاستثمارية؛ ممّا يؤدي إلى تقلبات النشاط الاقتصادي والأمراض الاجتماعية التي تنجم عن ذلك، وهذا النمط من التوزيع يثبط همم المشتغلين بالإنتاج ويجعلهم لا يُقبلون على أعمالهم بالقدر الضروري الذي يزيد في الناتج القومي ويؤدي إلى استغلال الموارد المتاحة الاستغلال الأمثل.
وأساس التوزيع العادل في الإسلام يقوم على التوفيق بين المصالح الفردية والمصالح العامة الاجتماعية، ويقوم على الدعامة الأخلاقية للنظام الإسلامي وهي الدعوة إلى التعاون والتكافل.
إن الزكاة هي أداة الإسلام التي ترمي إلى إعادة توزيع الثروة، ولا يتم التوزيع التلقائي حسب أولويات السوق كما هو الحال في النظام الرأسمالي، أو حسب العمل فقط، كما هو الحال في النظام الاشتراكي، والملاحظ أن آلية نظام السوق لا تعتد بالفروق الاجتماعية ولا تهتم بإعادة التوازن الاقتصادي والاجتماعي، كذلك جعلت مادية علاقات الإنتاج في النظام الاشتراكي الفرد الحر كمًّا مهملاً وسط إيقاع علاقات الإنتاج المادية، أما التبادل في نظام الاقتصاد الإسلامي فقد اهتم به الإسلام ووضع له الرقباء في نظام الحسبة، وهو نظام مراقبة الأسواق، وقنَّن قواعد التبادل، وجعله منفعة متبادلة بين البائع والمشتري يحقق كل منهما أقصى منفعة بقيمة مجزية للطرفين، وجعل الإسلام للتبادل قواعد يراعيها البائع والمشتري، ومن هذه القواعد:
1- أن الإسلام منع تداول السلع الضارة أو التي لا منفعة فيها، وقد ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه".
2- منع الإسلام الغش، فقد ورد في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: "من حمل علينا السلاح فليس من، ومن غشنا فليس منا".
3- منع الإسلام الغَرَر وما شابهه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر، (صحيح مسلم)، وبيع الغرر هو كما يقول الفقهاء: "التردد بين أمرين ليس أحدهما أظهر" مثال ذلك:
أ- أن يُجَهِّل البائع الثمن والمُثمَّن؛ لأن جهلهما غرر.
ب- أن يحدد زمن البيع كبعتك إذا جاء رأس السنة.
ج- أن يعلق البيع على رضا شخص، كبعتك إذا رضي زيد.
د- وبيع المجهول غرر كبيع السمك في الماء والطير في الهواء وهكذا.
4- ألغى الإسلام التدخل غير المشروع بين البائع والمشتري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يسم المسلم على سوم أخيه" (صحيح مسلم)، وقال: "لايتلقى الركبان لبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر". (رواه مسلم).
ومعنى لا يتلقى الركبان لبيع هو استقبال البضاعة خارج السوق؛ لأن هذا فيه تضييع لمصلحة البائع والمشتري الذي ينتظر البضاعة في مكان البيع، أما النجش فهو المزايدة في السعر بدون نية الشراء لرفع سعر السلعة، أما النهي عن البيع للبادي أي القادم من البادية من الحاضر أي الحضري لجهل الأول بالسوق، وتصرية الإبل والغنم أي يمسك عن الحلب فلا يحلبها حتى يكبر ضرعها، فمن اشتراها وهي مُصَرَّاة جاز له أن يحلبها، وهو بالخيار بعد ذلك، فإن رضي بها أمسكها وإن لم يرضَ ردها إلى صاحبها ومعها صاعٌ من تمر عوضًا عما أتلفه من لبنه، وهذا فيه إغلاق لباب الظلم وإظهار لعدل الإسلام.
5- وأوصى الإسلام بتيسير سبل التبادل، وذلك بضبط المقاييس والمكاييل قال تعالى: {ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون[المطففين: 1-3].
6- ضمان حقوق أطراف التعامل، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ (المائدة: 1)، وفي الحديث: "المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا حرَّم حلالاً أو أحل حرامًا". رواه الدارقطني والحاكم.
7- والقاعدة الكبرى هي أن الدولة تقوم بمراقبة التبادل وتقيم نظام الحسبة وتُعيّن المحتسب بحيث لا يختل التبادل في الأسواق ولا يظلم أحدٌ أحدًا؛ فتحفظ بذلك توازن السوق وتحفظ أخلاق الإسلام. (9)
وإضافة إلى هذا كله فقد أتى الإسلام بمباديء اقتصادية عامة لها أثرها في الاقتصاد كقوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا)، وقوله: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)، وفي الحديث: "القصد القصد تبلغوا" أي عليكم بالقصد من الأمور، إلى أمثال ذلك من الآثار التي تحث على التوسط والاعتدال كما هو شأن الإسلام في تشريعاته.
وبعد هذا العرض نستطيع أن نقول: إن الإسلام حقق هدف الاقتصاد من العمل على رفاهية بني الإنسان جميعا، وحقق نظريته التي تتألف من الإنتاج والتوزيع والنقود على نحو عادل لا اضطراب فيه، ولا غبن على أحد.
وعلم الاقتصاد - كما يقول أهله - قد تقدم كثيرا في وضع نظرية الإنتاج، ولكنه اضطرب واشتد اضطرابه في وضع نظرية عادلة للتوزيع.
أما الإسلام فإنه - كما يقول المنصفون من علماء الاقتصاد - قد وضع أسسا وتشريعات ثابتة حكيمة عادلة كل العدل في التوزيع، وبذلك يكون قد انفرد بنظرية فريدة من نوعها في عنصر مهم من عناصر الاقتصاد

ملتقى الاقتصاد:

ملتقى الاقتصاد:

لملكية العامة
المالك فيها هو الأمة بصفتها الاستخلافية {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه[الحديد: 7] والأمة تملك الرقبة والعين، قال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا وارزقوهم فيها واكسوهم} [النساء: 5] فجعل الضمير في المال يعود للجماعة (الأمة) وليس للسفهاء، والذي يتولى أمر هذه الملكية هو الحاكم بصفته الاعتبارية، أي باعتباره حاكمًا وليس بصفته الشخصية كفرد من أفراد المجتمع، وتتمثل الملكية العامة في المعادن والوقود، وهذه أيضًا تخضع للملكية العامة إلا إذا عجزت الدولة عن استخراج المعادن أو الوقود، فإنها حينئذ تكلف القطاع الخاص (الملكية الخاصة) باستخراج المعادن أو الوقود بالشروط التي يتفقان عليها.
وكذلك الغابات جزء أساسي من الملكية العامة، ويجوز للدولة أن تستقطع منها شيئًا للملكية الخاصة بنفس شروط انتقال الملكية في الأراضي الزراعية على أن تكون ملك وظيفة فقط؛ فالملكية العامة على هذا تشمل القطاعات الأساسية في الاقتصاد القومي، والقاعدة العامة: كل ما لا يستغني عنه المسلمون فهو عام، هذا بالإضافة إلى القطاع الحديث الذي يسمى القطاع الخدمي الذي يُعنى بالخدمات العامة التي تقدمها الدولة للمواطنين، وهذا القطاع يقع تحت الإشراف المباشر للدولة، وللملكية العامة -وهي ملك الأمة- أن تساعد في ترقية وتحسين أدائه.
أما وظائف الملكية العامة فهي:
1- إيجاد مصدر عام لتمويل النفقات العامة، والدليل على ذلك أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، جعل الأراضي المفتوحة (أراضي السَّواد) ملكية عامة، وفرض على استغلالها الخراج الذي تُمَوَّل به الخزانة العامة وتُغطَّى به النفقات العامة.
2- التوازن الاجتماعي؛ وهو إجراء توزيعي يهدف إلى إشباع حاجات الفئات الفقيرة، وهذا له مصدر معروف وهو الزكاة التي تقوم الدولة بتوزيعها لإغناء الفقراء وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وطبيعة الملكية العامة أنها ملك عام لكل فرد فيه حق كما قال عمر بن الخطاب: "ما من أحد إلا وله في هذا المال حق، أُعْطِيَهُ أو مُنِعَهُ" لكن المالك الحقيقي فيه هو الأمة مجتمعة، أي أنها تملك الرقبة والعين ويملك الفرد فيها الوظيفة والمنفعة دون الرقبة والعين، أما الدولة فهي التي تقوم بتنمية هذه الملكية وتثميرها بالوكالة عن الأمة.
الملكية المزدوجة، أوالاقتصاد المختلط
هي في الأصل مزيج من الملكية الخاصة والعامة، تعمل جنبًا إلى جنب في استثمار الأموال العامة بحيث تُقسَّم الأرباح بينهما بنسبة إسهام كلٍ منهما في الاستثمار، وتسمّى هذه بالشركات، وقد أجازها الإسلام وجعل لها شروطًا تتحقق بها المصلحة الخاصة والعامة وينتفع بها المجتمع وتحفظ حقوق الشركاء في ذات الوقت.
ويمكن أن تأخذ الملكية المختلطة شكلاً آخر هو اشتراك القطاع العام أو الدولة مع القطاع الخاص (الملكية الفردية) في نشاط اقتصادي بالمشاركة مع احتفاظ كل منهما بنسبة أرباحه حسب الاتفاق، ويعرف هذا في كثير من دول العالم اليوم بالاقتصاد المختلط، وهو الذي يميز الاقتصاد الحر عن الاقتصاد المركزي الذي يعتمد على التخطيط الحكومي أولاً وأخيرًا.
ملكية الدولة
المالك الفعلي فيها هو الدولة بشخصيتها الاعتبارية، وسلطة الدولة في هذه الملكية هي أن ترعى هذه الملكية وتُنميها وتطورها لمصلحة الأمة، باعتبار أن الدولة موظفة لدى الأمة وخادمة لها ووكيلة عنها في إدارة الاقتصاد القومي ورعاية الملكيات الخاصة، وتشجيعها على الاستثمار والاتجار والمشاركة الفعلية في النشاط الاقتصادي، وتسمّى هذه الوظيفة ملكية الدولة، والدولة تقوم بدور الإشراف الكلي على الاقتصاد نيابة عن الأمة، والفرق بين ملكية الدولة والملكية العامة هو أن المالك في ملكية الدولة هو الحاكم بصفته الاعتبارية، والملكية العامة المالك فيها هو الأمة، والأمة تملك الرقبة والعين لكن الحاكم هو الذي ينوب عنها في تصريف هذه الملكية حسب مقتضيات المصلحة العامة.
وهناك وظائف حددها الشارع الحكيم للحاكم كجمع الزكاة وتوزيعها حسب المصارف التي حددها الشارع، وهذه من أهم وظائف الدولة لأن القصد من الزكاة هو خلق توازن اجتماعي يضمن للمحتاجين حق العيش الكريم في ظل الدولة الإسلامية بأخذ شيء من فضول أموال الأغنياء ورده على الفقراء، فالمال في الإسلام مال الله والإنسان مستخلف على هذا المال بالوكالة؛ ولذلك فإن الغني عندما يخرج شيئًا من ماله للفقير فهو يعطيه من مال الله وليس من ماله الخاص لقوله تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم[النور: 33] وإنما آلت إليه الخصوصية بحق العمل والملكية التي هي أيضًا ملك مؤقت ومحدود بحدود العمل والجهد الذي يبذله في المال.
والروح التي يبثها الإسلام في أصحاب الأموال هي روح الإنسانية المؤمنة التي تجاوزت حدود النفس الضيقة إلى حدود الإيثار والتعاون على البر والتقوى، والتآخي في الإسلام الذي يرتفع فوق التآخي في الأرحام والأنساب، وفوق الأنانية الضيقة التي لا ترعى إلا المصلحة الشخصية، تجاوزت حدود كل ذلك إلى رحاب الإنسانية العريضة التي تقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، والحكمة في ذلك هي تحقيق الضمان الاجتماعي لأفراد المجتمع العاجزين عن الكسب والمعوزين الذين لا يكسبون ما يضمن حياة كريمة لهم ولمن يعولون، ومسؤولية الدولة المباشرة هي أن تكفل لهولاء حياة حرة كريمة.
والملكية العامة هي التي تحفظ حق الجماعة كلها في الثروة لقوله تعالى: {كي لا يكون دُولة بين الأغنياء منكم[الحشر: 7] وهذا تأكيد على وجوب رعاية القطاع العام لمصلحة المساكين والمحتاجين وحمايتهم ليظفر كل أفراد الجماعة بحقهم في الانتفاع بمال الله الذي جعله للأغنياء ولغيرهم أيضًا وليس لهم وحدهم، ولا يكتفي الإسلام بضمان الدولة للمسلمين بل يتجاوز ذلك إلى غير المسلمين، فالذميِّ الذي يعيش في كنف الدولة الإسلامية إذا كبر وعجز عن الكسب، كفلته الدولة الإسلامية وأصبحت نفقته من بيت المال.
وللدولة مهمات أخرى في نظام الاقتصاد الإسلامي فهي التي تشرف إشرافآً مباشرًا على قطاع الخدمات، وإشرافها يضمن للفقراء والمساكين العلاج والتعليم وما يتصل بذلك، والدولة هي التي تقوم بالإشراف على نظام الحسبة، وهي مراقبة الأسواق لكي لا يلجأ التجار إلى الغش والاحتكار والتغرير والتطفيف في المكاييل والموازين، ويقوم بهذه الوظيفة المحتسب الذي تُعيِّنه الدولة.
وموجز ما تقدم أن نظام الاقتصاد الإسلامي يقبل آلية جهاز الأثمان وقوانين العرض والطلب ما دامت الأسواق تلتزم الأحكام الشرعية في التبادل، لكن الشريعة مع ذلك أقامت مؤسسات أخرى لمعونة من لايوفر لهم نشاط السوق حدًا مناسبًا من المعيشة؛ لأن الحياة ليست مادة فقط ولا روحًا فقط بل هي مزيج من المادة والروح، فالآلية تصلح لحياة مادية ليس فيها شيء غير المادة، أما الحياة الإنسانية فهي حياة تتصل فيها المادة بالروح ولا تنفصل عنها، فالناس يُشبِعون حاجاتهم المادية لكنهم لا يتجاهلون نداءات الأرواح الأخرى التي لا تجد ما يشبع حاجاتها المادية، ولا تجد ما تنفق ولا ما تستهلك، فالنظام الإسلامي يسعى لسد الاحتياجات الدنيا للفقراء من الطعام والكساء والتعليم والإسكان والنقل والتسهيلات الطبية ليؤمِّن كفايتهم ويحقق كرامتهم باعتبارهم خلفاء الله في الأرض، ولا يترك الغالبية العظمى من المجتمع تنفق ساعات طويلة في العمل لاستيفاء ضرورياتها، فلا يبقى لديها فسحة من الوقت ولا قليل من الفائض من الموارد يمكنها من الاستجمام، أي الارتقاء الفكري والأخلاقي، بينما يثري البعض دون جهد يذكر. (

ملتقى الاقتصاد:

ملتقى الاقتصاد:

لملكية العامة
المالك فيها هو الأمة بصفتها الاستخلافية {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه[الحديد: 7] والأمة تملك الرقبة والعين، قال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا وارزقوهم فيها واكسوهم} [النساء: 5] فجعل الضمير في المال يعود للجماعة (الأمة) وليس للسفهاء، والذي يتولى أمر هذه الملكية هو الحاكم بصفته الاعتبارية، أي باعتباره حاكمًا وليس بصفته الشخصية كفرد من أفراد المجتمع، وتتمثل الملكية العامة في المعادن والوقود، وهذه أيضًا تخضع للملكية العامة إلا إذا عجزت الدولة عن استخراج المعادن أو الوقود، فإنها حينئذ تكلف القطاع الخاص (الملكية الخاصة) باستخراج المعادن أو الوقود بالشروط التي يتفقان عليها.
وكذلك الغابات جزء أساسي من الملكية العامة، ويجوز للدولة أن تستقطع منها شيئًا للملكية الخاصة بنفس شروط انتقال الملكية في الأراضي الزراعية على أن تكون ملك وظيفة فقط؛ فالملكية العامة على هذا تشمل القطاعات الأساسية في الاقتصاد القومي، والقاعدة العامة: كل ما لا يستغني عنه المسلمون فهو عام، هذا بالإضافة إلى القطاع الحديث الذي يسمى القطاع الخدمي الذي يُعنى بالخدمات العامة التي تقدمها الدولة للمواطنين، وهذا القطاع يقع تحت الإشراف المباشر للدولة، وللملكية العامة -وهي ملك الأمة- أن تساعد في ترقية وتحسين أدائه.
أما وظائف الملكية العامة فهي:
1- إيجاد مصدر عام لتمويل النفقات العامة، والدليل على ذلك أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، جعل الأراضي المفتوحة (أراضي السَّواد) ملكية عامة، وفرض على استغلالها الخراج الذي تُمَوَّل به الخزانة العامة وتُغطَّى به النفقات العامة.
2- التوازن الاجتماعي؛ وهو إجراء توزيعي يهدف إلى إشباع حاجات الفئات الفقيرة، وهذا له مصدر معروف وهو الزكاة التي تقوم الدولة بتوزيعها لإغناء الفقراء وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وطبيعة الملكية العامة أنها ملك عام لكل فرد فيه حق كما قال عمر بن الخطاب: "ما من أحد إلا وله في هذا المال حق، أُعْطِيَهُ أو مُنِعَهُ" لكن المالك الحقيقي فيه هو الأمة مجتمعة، أي أنها تملك الرقبة والعين ويملك الفرد فيها الوظيفة والمنفعة دون الرقبة والعين، أما الدولة فهي التي تقوم بتنمية هذه الملكية وتثميرها بالوكالة عن الأمة.
الملكية المزدوجة، أوالاقتصاد المختلط
هي في الأصل مزيج من الملكية الخاصة والعامة، تعمل جنبًا إلى جنب في استثمار الأموال العامة بحيث تُقسَّم الأرباح بينهما بنسبة إسهام كلٍ منهما في الاستثمار، وتسمّى هذه بالشركات، وقد أجازها الإسلام وجعل لها شروطًا تتحقق بها المصلحة الخاصة والعامة وينتفع بها المجتمع وتحفظ حقوق الشركاء في ذات الوقت.
ويمكن أن تأخذ الملكية المختلطة شكلاً آخر هو اشتراك القطاع العام أو الدولة مع القطاع الخاص (الملكية الفردية) في نشاط اقتصادي بالمشاركة مع احتفاظ كل منهما بنسبة أرباحه حسب الاتفاق، ويعرف هذا في كثير من دول العالم اليوم بالاقتصاد المختلط، وهو الذي يميز الاقتصاد الحر عن الاقتصاد المركزي الذي يعتمد على التخطيط الحكومي أولاً وأخيرًا.
ملكية الدولة
المالك الفعلي فيها هو الدولة بشخصيتها الاعتبارية، وسلطة الدولة في هذه الملكية هي أن ترعى هذه الملكية وتُنميها وتطورها لمصلحة الأمة، باعتبار أن الدولة موظفة لدى الأمة وخادمة لها ووكيلة عنها في إدارة الاقتصاد القومي ورعاية الملكيات الخاصة، وتشجيعها على الاستثمار والاتجار والمشاركة الفعلية في النشاط الاقتصادي، وتسمّى هذه الوظيفة ملكية الدولة، والدولة تقوم بدور الإشراف الكلي على الاقتصاد نيابة عن الأمة، والفرق بين ملكية الدولة والملكية العامة هو أن المالك في ملكية الدولة هو الحاكم بصفته الاعتبارية، والملكية العامة المالك فيها هو الأمة، والأمة تملك الرقبة والعين لكن الحاكم هو الذي ينوب عنها في تصريف هذه الملكية حسب مقتضيات المصلحة العامة.
وهناك وظائف حددها الشارع الحكيم للحاكم كجمع الزكاة وتوزيعها حسب المصارف التي حددها الشارع، وهذه من أهم وظائف الدولة لأن القصد من الزكاة هو خلق توازن اجتماعي يضمن للمحتاجين حق العيش الكريم في ظل الدولة الإسلامية بأخذ شيء من فضول أموال الأغنياء ورده على الفقراء، فالمال في الإسلام مال الله والإنسان مستخلف على هذا المال بالوكالة؛ ولذلك فإن الغني عندما يخرج شيئًا من ماله للفقير فهو يعطيه من مال الله وليس من ماله الخاص لقوله تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم[النور: 33] وإنما آلت إليه الخصوصية بحق العمل والملكية التي هي أيضًا ملك مؤقت ومحدود بحدود العمل والجهد الذي يبذله في المال.
والروح التي يبثها الإسلام في أصحاب الأموال هي روح الإنسانية المؤمنة التي تجاوزت حدود النفس الضيقة إلى حدود الإيثار والتعاون على البر والتقوى، والتآخي في الإسلام الذي يرتفع فوق التآخي في الأرحام والأنساب، وفوق الأنانية الضيقة التي لا ترعى إلا المصلحة الشخصية، تجاوزت حدود كل ذلك إلى رحاب الإنسانية العريضة التي تقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، والحكمة في ذلك هي تحقيق الضمان الاجتماعي لأفراد المجتمع العاجزين عن الكسب والمعوزين الذين لا يكسبون ما يضمن حياة كريمة لهم ولمن يعولون، ومسؤولية الدولة المباشرة هي أن تكفل لهولاء حياة حرة كريمة.
والملكية العامة هي التي تحفظ حق الجماعة كلها في الثروة لقوله تعالى: {كي لا يكون دُولة بين الأغنياء منكم[الحشر: 7] وهذا تأكيد على وجوب رعاية القطاع العام لمصلحة المساكين والمحتاجين وحمايتهم ليظفر كل أفراد الجماعة بحقهم في الانتفاع بمال الله الذي جعله للأغنياء ولغيرهم أيضًا وليس لهم وحدهم، ولا يكتفي الإسلام بضمان الدولة للمسلمين بل يتجاوز ذلك إلى غير المسلمين، فالذميِّ الذي يعيش في كنف الدولة الإسلامية إذا كبر وعجز عن الكسب، كفلته الدولة الإسلامية وأصبحت نفقته من بيت المال.
وللدولة مهمات أخرى في نظام الاقتصاد الإسلامي فهي التي تشرف إشرافآً مباشرًا على قطاع الخدمات، وإشرافها يضمن للفقراء والمساكين العلاج والتعليم وما يتصل بذلك، والدولة هي التي تقوم بالإشراف على نظام الحسبة، وهي مراقبة الأسواق لكي لا يلجأ التجار إلى الغش والاحتكار والتغرير والتطفيف في المكاييل والموازين، ويقوم بهذه الوظيفة المحتسب الذي تُعيِّنه الدولة.
وموجز ما تقدم أن نظام الاقتصاد الإسلامي يقبل آلية جهاز الأثمان وقوانين العرض والطلب ما دامت الأسواق تلتزم الأحكام الشرعية في التبادل، لكن الشريعة مع ذلك أقامت مؤسسات أخرى لمعونة من لايوفر لهم نشاط السوق حدًا مناسبًا من المعيشة؛ لأن الحياة ليست مادة فقط ولا روحًا فقط بل هي مزيج من المادة والروح، فالآلية تصلح لحياة مادية ليس فيها شيء غير المادة، أما الحياة الإنسانية فهي حياة تتصل فيها المادة بالروح ولا تنفصل عنها، فالناس يُشبِعون حاجاتهم المادية لكنهم لا يتجاهلون نداءات الأرواح الأخرى التي لا تجد ما يشبع حاجاتها المادية، ولا تجد ما تنفق ولا ما تستهلك، فالنظام الإسلامي يسعى لسد الاحتياجات الدنيا للفقراء من الطعام والكساء والتعليم والإسكان والنقل والتسهيلات الطبية ليؤمِّن كفايتهم ويحقق كرامتهم باعتبارهم خلفاء الله في الأرض، ولا يترك الغالبية العظمى من المجتمع تنفق ساعات طويلة في العمل لاستيفاء ضرورياتها، فلا يبقى لديها فسحة من الوقت ولا قليل من الفائض من الموارد يمكنها من الاستجمام، أي الارتقاء الفكري والأخلاقي، بينما يثري البعض دون جهد يذكر. (

ملتقى الاقتصاد:

ملتقى الاقتصاد:


علم الاقتصاد الإسلامي
بعد هذا العرض السابق نواجه سؤالا يطرح نفسه: هل جاء القرآن الكريم والسنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده بعناصر متكاملة تمد الفكر العلمي بنظرية علمية يقوم عليها النشاط الاقتصادى في كل من الإنتاج والتوزيع، وفي ظل ما يعرف بالاقتصاد النقدى؟ والجواب: نعم، وسنكتفي بإلمامة خفيفة فى هذا الشأن تفصح عن غرضنا.
إن القرآن الكريم قد أرسى القواعد الكلية لتنظيم الاقتصاد، وجاء بعناصر متكاملة تمد الفكر العلمي بحاجته منه، وتشتمل على الأسس التى تكفل للجنس البشري أوضاعا اقتصادية تحقق له مستويات عليا من الرفاهية قبل أن يقوم علم الاقتصاد ويصل إلى ما وصل إليه من التقدم، ومما جاء في القرآن الكريم:
1- مبدأ العمل:
فالعمل هو السبيل الطبيعي لكسب المعاش، وهو الدعامة التي يقوم عليها المجتمع الإنساني؟ فهذا رجل من أفراد المجتمع يزرع، وذاك يصنع، وآخر يتجر، وغيره يعالج المرضى، أو يسهر على حفظ الأمن، أو يدافع عن الوطن إلى غير ذلك من الأعمال التي يقتضيها نظام الجماعة البشرية، ومن أجل ذلك حثَّ الإسلام على العمل وحضَّ على الكسب من طرقه المشروعة؛ فقال تعالى: {هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور}، وقال سبحانه: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون}، وقال عز وجل: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون}.
وقال صلى الله عليه رسلم: "ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده" (أخرجه البخاري)، وقال أيضا: "والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه". (أخرجه البخاري).
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: "لا يقعدنَّ أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهمَّ ارزقني، فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة"، إلى كثير من الآيات والأحاديث والآثار التي تدل على عناية الإسلام بالعمل، وتبين مدى أهميته للفرد والجماعة.
2- الزكاة:
وهي من أهم الأسس التي يقوم عليها المجتمع الإنساني وينتظم بها اقتصاده؛ فهي من العوامل التي تقلل الفوارق بين الناس فى حظوظ الدنيا، وتطهر نفوس الأغنياء من الشُّحِّ والبخل، وفيها تتجلى مواساة الأغنياء لإخوانهم الفقراء، وسدُّ خُلَّتهم، كما أنها تدفع عن الأغنياء عواقب الحقد عليهم من نفوس الفقراء؛ فتسود المحبة وتقوى أواصر الألفة والتعاطف والتراحم بينهما، ومن ثم جعلها الإسلام أحد الأركان التي يقوم عليها بنيانه.
ولقد حث عليها القرآن فى كثير من آياته ورغب فيها وقرنها بالصلاة؛ لأن الصلاة صلة بين العبد وربه وفيها إصلاح للنفوس، والزكاة صلة بين الأغنياء والفقراء وفيها إصلاح لشئون المجتمع، قال تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا}، وقال عز من قائل: {وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون}، وقال عز وجل: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}، وقال سبحانه: {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم}، وقال صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان"، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي تكشف عن كثير من نواحي الاقتصاد التى يسعد بها المجتمع.
وإذا استمع الأغنياء إلى مثل هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة أدى ذلك إلى صيانة المجتمع من الآلام والشرور التي يقاسيها، وإلى البعد عن الشيوعية، وعن الفتن والثورات التي تنشأ من احتكار الأغنياء للثروة وحرمان الفقراء منها.
وإن الناظر إلى الزكاة وأثرها فى المجتمع يدرك الحكمة من فرضيته، وجعلها ركنا من أركان الدين، وفي المرتبة الثالثة بعد التوحيد والصلاة. وإذا اطمأنت نفس المسلم إلى هذا الحق، وأنه واجب عليه لأخيه المسلم دعاه ذلك لأن يعرف أن عليه أنواعا أخرى من التعاون ليست دون المال.
3- تحريم الربا:
الربا فيه من المفاسد والإضرار بالمجتمع الإنساني من نواحيه الاقتصادية والاجتماعية ما لسنا في حاجة هنا إلى الإسهاب فيها؛ فهو يتنافى مع الأخلاق الكريمة التي يجب أن تسود كل مجتمع فاضل، من المروءة والتعاون والتعاطف والتراحم، ويورث أفراد المجتمع الحقد والبغضاء، ويؤدي إلى حصول أصحاب الأموال على كسب دون عمل؛ فإنهم يستغلون حاجة المحتاج، وينصرفون عن الأعمال المشروعة للكسب الحلال، ويخلُدون إلى الراحة والكسل، ويؤثرون التعامل بالربا مع الراحة الجسمية عن الاشتغال بالزراعة أو الصناعة أو التجارة أو غيرها مما يحتاج إلى تعب وعناء؛ فتتعطل أيدٍ كثيرة من الأيدي التي يجب أن تعمل، كما أنه يوجِد هُوَّةً عميقةً بين طبقات الأمة بتحويل مجرى الثروة إلى جهة واحدة، هي جهة أصحاب الأموال ومحاباة رأس المال أو الانحياز معه على حساب العاملين الكادحين، وفى هذا يقول القرآن الكريم: {كي لا يكون دُولَةً بين الأغنياء منكم}.
وفى ذلك كما رأينا ما فيه من مفاسد اجتماعية واقتصادية، واختلال في توازن المجتمع، فتحريمه والنهي عنه تشريع حكيم له أثره البالغ فى اقتصاد الأمة ومعاشها، يقول الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة}، ويقول سبحانه: {يمحق الله الربا ويُربي الصدقات}، ويقول عز وجل: {فإن لم تفعلوا فَأْذَنُوا بحرب من الله ورسوله}، وعن جابر رضي الله عنه قال: "لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم آكلَ الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء".
وإن المجتمع الذي يدين بالإسلام؛ فيتذكر دائما قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة}، وقوله عز وجل: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقةا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون} إلى أمثال هذه الآيات التي تحث على الإنفاق، وعلى فعل الخير لوجه الله تعالى لهو المجتمع الفاضل الذي تنشده الإنسانية، والذي أرسى قواعده محمد صلوات الله عليه وسلامه.
4- الميراث:
شرع الإسلام للميراث نظاما حكيما يقضي بتقسيم تركة المتوفى بين عدد من أفراد أسرته؛ ليحول بذلك دون تضخم الثروات وتجمعها في أيدٍ قليلة، فأين من هذا النظام الإسلامي الحكيم تلك النظم التي يقضي بعضها بانتقال جميع ثروة المتوفى إلى ابنه الأكبر، أو يدع بعضُها المالكَ حرا في أن يوصي بتركته لمن يشاء؛ فتجتمع من جرَّاء ذلك ثرواتٌ ضخمة في أيدي نفر قليل من الناس، مما يثير حفيظة الفقراء في المجتمعات التي تخضع لهذه النظم، ويسبب انتشار المذاهب المتطرفة.
5- قانون من أين لك هذا:
وهو قانون اقتصادي عظيم، ومبدأ خلقي جليل، وأصل إسلامي صميم طبقه النبي صلى الله عليه وسلم على بعض عماله على الصدقات حين رأى أنه استغل عمله لجمع مال لنفسه فأخذه منه، فعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: "استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن اللتبية على صدقات بني سليم، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحاسبه قال: هذا الذي لكم وهذه هدية أهديت لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا، ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أستعمل رجالا منكم على أمور مما ولاني الله، فيأتي أحدكم فيقول: هذا لكم وهذه هدية أهديت لي؛ فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا، فوالله لا يأخذ أحدكم منها شيئا بغير حقه إلا جاء اللهَ يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه إلى السماء حتى رُؤِيَ بياض إبطيه وهو يقول: ألا هل بلغت؟". (رواه البخاري ومسلم).
وقد مضى على تطبيقه في حزم وصرامة عمر بن الخطاب، فكان يراقب عماله وولاته؛ فلا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى لا ينحرفوا فيستغلوا مناصبهم في الاستكثار من الثروات الشخصية، وله في ذلك التصرفات الحازمة الحكيمة التي ازدانت بها سيرته.
6- الأراضي التي فتحت عنوة:
كان لعمر رضي الله عنه رأي سديد في شأن الأراضي التى فتحت على المسلمين، وكان لرأيه هذا أثر عظيم في اقتصاد الدولة الإسلامية، من حيث الإنتاج والتوزيع - وهما جوهر الاقتصاد كما هو معروف - ذلك أنه حينما فتح الله على المسلمين العراق والشام، وغيرهما من الأقاليم الواسعة رأى عمر رضوان الله عليه ألا تقسم هذه الأراضي المفتوحة بين الغانمين، ولكن تترك لأهلها مع وضع الخراج عليها لينفق منه على مصالح المسلمين على الدوام، ووافقه على رأيه هذا بعض الصحابة، وعلى رأسهم عثمان وعليّ وطلحة وابن عمر رضي الله عنهم، وعارضه بعضهم، وكان أشدهم عليه فى ذلك الزيير بن العوام وبلال بن رباح وسلمان الفارسي، فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا فيما بينهم، فعمد إلى تحكيم عشرة من الأنصار: خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج؛ رغبة منه في أن يشتركوا معه في الأمانة التي حملها، فأعطى المحكمون رأيهم لعمر بعد أن استمعوا إلى رأي كل فريق من الطرفين، وكل ذلك إلهاما من الله وتوفيقا لعمر، وفيه كانت الخيرة والمصلحة الراجحة للمسلمين، وعموم النفع لجماعتهم.
7- النقود:
كذلك لم يفت الإسلام أن يُعنَى بأمر النقود؛ لأثرها المهم في معاملات الناس بعضهم مع بعض، فنرى أنه قد عني بضبطها وتحديد قيمتها حتى لايكون هناك سبيل إلى التلاعب بها، والفوضى في تداولها.
روى البلاذُرِي أن دراهم الأعاجم كانت ما العشرة منها وزن عشرة مثاقيل، وما العشرة منها وزن ستة مثاقيل، وما العشرة منها وزن خمسة مثاقيل، فجمع ذلك فَوُجِدَ واحدا وعشرين مثقالا، فأخذ ثلثه وهو سبعة مثاقيل فضربوا دراهم وزن سبعة مثاقيل. (6).
ومن خلال هذا كله كان هناك ما يعرف بـ (النظام المالي) وعرضه كما يلي:
النظام المالي الإسلامي
راعت الدولة الإسلامية أن يكون لها نظام مالي تسير عليه؛ فأنشأت بيتا للمال يقوم على رعاية مصالحها، وهو يشبه وزارة المالية في وقتنا الحاضر، والقائم عليه يشبه وزير المالية. ولبيت المال حقوق وعليه واجبات، فكل ما يستحقه المسلمون ولم يتعين مالكه منهم فهو حق من حقوق بيت المال، وكل ما وَجَبَ صرفه في مصالح المسلمين فهو حق على بيت المال، ولبيت المال موارد هي الصدقة والغنيمة والفيء، وهذه الموارد قسمان: موارد دورية تجبى في أوقات معينة من كل عام كالزكاة والجزية، وموارد غير دورية كخمس الغنائم والركاز.
1- الصدقة:
الصدقة أو الزكاة هي ما يؤخذ من أغنياء المسلمين ليرد على فقرائهم،وقد بينا فيما سبق بعض مالها من آثار جليلة للمجتمع، وأنها من مظاهر التكافل الاجتماعي والأخوة الإنسانية، ومصادرها: السوائم (الإبل والبقر والغنم) والفضة والذهب، وعروض التجارة، والزروع والثمار، وقد بينت الشريعة لكل ذلك نصابا معينا لا تجب الزكاة فيما دونه، ومصرفها ما ذكر في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم}.
ولعل في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن جماع القول لخصائص الزكاة، فقد أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم..".
ويؤخذ من هذه الوصية أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء لترد على الفقراء، وأنها تؤخذ في إنصاف؛ فلا تؤخذ كرائمُ الأموال وخيارها.
2- الغنيمة:
وهي ما يغنمه المسلمون ويأخذونه من أموال الكفار بالقتال والجهاد في سبيل الله، وهي أنواع: أسرى وسبي وأموال منقولة وأرضين على خلاف فيها، فالأسرى هم المقاتلون الذين يقعون في الأسر، والسبي هم النساء والأطفال الذين يقعون في أيدي المسلمين، ولا يجوز أن يقتلوا، ويكونون سبيا مسترقا يقسمون مع الغنائم، ويجوز قبول الفدية منهم، والأموال المنقولة هي ما يمكن نقله كالنقود والماشية.
والواجب في المغنم تخميسه وصرف الخمس إلى من ذكرهم الله تعالى بقوله: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل)، وقسمة الأربعة الأخماس الباقية بين الغانمين.
3- الفيء
وهو كل مال وصل من المشركين عفوا من غير قتال، ولا بإيجاف ولا خيل ولا ركاب، ويدخل فيه الجزية والخراج والأعشار وغيرها.
4- الجزية:
وهي ما كان يُوضَعُ على رءوس أهل الذمة، وتؤخذ من الرجال القادرين لا ممن يُتصدق عليهم، ولا ممن لا قدرة له على العمل، وكانوا يقدرونها حسب أحوال أهل الذمة غنى وفقرا، لكن لا تزيد على ثمانية وأربعين درهما، ولا تنقص عن اثني عشر درهما في السنة، وكانت تؤدى منجمة، وتسقط بالإسلام.
وتقبل من غير المسلمين أيا كانوا إلا إذا كانوا من العرب عبدة الأوثان أو من المرتدين، فهؤلاء لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، أما غيرهم من النصارى واليهود والمجوس وعباد الأوثان من العجم فيقبل منهم الإسلام أو الجزية أو السيف، والجزية بدل عن القتل أو القتال، فدافعها لا يقتل ولا يدعى إلى قتال، وهو آمن على نفسه وماله.
5- الخراج:
وهو ما كان يوضع على الأراضي التي فُتِحَتْ عنوة ثم تركت بأيدي أصحابها على أن يؤدوا عنها الخراج، ومما يدخل تحت الخراج ويعتبر من موارد بيت المال في الإسلام: أعشار التجارة، وأخماس المعادن، والمراعي والضياع، وأثمان المياه، وما يوضع على الملاحات والآجام وغيرها مما يعد من قبيل الخراج. (7)
المِلْكِية في النظام الاقتصادي الإسلامي
تتقسم الملكية في نظام الإسلام الاقتصادي إلى أربعة أقسام:
أ ـ الملكية الفردية (الخاصة)                 ب ـ الملكية العامة
ج ـ الملكية المزدوجة أو الاقتصاد المختلط   د ـ ملكية الدولة.
الملكية الفردية (الخاصة)
أباح الإسلام للمسلم حق التملك بحكم الاستخلاف في الأرض؛ فهو مستخلف في الأرض لاستعمارها واستغلال خيراتها لمصلحة نوعه، لكن أصل الاستخلاف في الإسلام ليس للفرد إنما للأمة والجماعة قال تعالى: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} [الحديد: 7]، وقال تعالى: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} [النساء: 32]، وهذا تقرير لحق الفرد في تملك ما كسبه بعرقه وجهده، وقال صلى الله عليه وسلم: "من قُتِل دون ماله فهو شهيد" أخرجه الشيخان.
والملكية الفردية تكافيء ما يبذله الإنسان في تعمير الأرض واستغلالها، وبقدر بذله وجهده يكون حظه من هذه الملكية، وهو وكيل في هذه الملكية يتصرف فيها بأمر موكله وهو الله سبحانه وتعالى، وحق هذه الوكالة هو القيام بواجبات الإنفاق الخاص على نفسه وأهله وخاصته ثم القيام بواجبات الإنفاق العام كالزكاة والصدقة والنذور والكفارات وما إلى ذلك، وكذلك ينفق على أنواع البر المختلفة، قال تعالى في حق الأنصار: {يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويُؤْثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يُوق شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون[الحشر: 9].
فصفة الإيثار هي التي تميز المسلم، وتجعله ينفق على أوجه الخير ليطهر نفسه بهذا الإحسان، وينفي عنها البخل والشح لقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها[التوبة: 103] ويحق للملكية الفردية الإسهام الفعال في أنواع الاستثمار المختلفة، وجميع ألوان التجارة، وكذلك يحق للملكية الفردية المساهمة في العمل الحر المنتج الصناعي والزراعي، والاستثناء الوحيد من الملكية الفردية في الإسلام هو أن جزءًا من الملكية العامة لا يحق للفرد أن يمتلكه ولا حتى ملك وظيفة، ويتمثل ذلك في المرافق العامة الضرورية لحياة المجتمع التي ورد ذكرها في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ والماء والنار "، وما صارت هذه شركة للناس إلا لأنها من المرافق الحيوية التي لا تصلح للملكية الفردية، والحكمة من ذلك أن لا يُترَك موردٌ عامٌّ وضروري لحياة كل الناس، تحت تصرف فردي يخضع لرغبات أحد من الناس إن شاء أمسك وإن شاء أرسل.
وللملكية الفردية ضوابط أخرى تقع جُلُّها في دائرة ما أمر به الله وما نهى عنه أي أن لا يخرج المسلم عن هذه الدائرة، وضابط آخر بعد ذلك هو الالتزام بقاعدة: "لاَضَرر ولا ضِرار" أي ألا تسبب الملكية الفردية ضررًا للملكيات الأخرى، وإذا أصابها ضرر من الملكيات الأخرى ألا ترد الضرر بضرر مثله بل ترده إلى ولي الأمر، وتخضع الملكية الفردية لضوابط الإنفاق الإسلامية لكي لا يكون هناك ضرر أو ضِرار.

ملتقى الاقتصاد:

ملتقى الاقتصاد:

أنواع الأنظمة الاقتصادية غير الإسلامية
تطورت في الغرب والشرق نظم اقتصادية متباينة، وذلك لأن الأمم المختلفة لم تتفق يومًا على الكيفية التي يجب أن تحل بها مشكلاتها الاقتصادية الأساسية، وفي عالم اليوم ثلاثة نُظم اقتصادية مهمة هي: 1- الرأسمالية 2- الأنظمة الاقتصادية المختلطة 3- الشيوعية، وتتضمن الأنظمة الاقتصادية لكثير من البلدان عناصر مشتركة من نظم اقتصادية مختلفة.
1- الرأسمالية:
هي النظام الاقتصادي لكثير من البلدان في مختلف أرجاء العالم، وسميت رأسمالية لأن الفرد بوسعه أن يمتلك الأرض ورأس المال مثل المصانع والشقق السكنية والسكك الحديدية، وتشجع الرأسمالية حرية العمل التجاري والاقتصاد الحر؛ لأنها تسمح للناس بأن يباشروا أنشطتهم الاقتصادية بصورة مباشرة ومتحررة إلى حد كبير من التدخل والتحكم الحكوميين.
وكان الاقتصادي الأسكتلندي آدم سميث أول من طرح مباديء النظام الرأسمالي، وذلك في القرن الثامن عشر الميلادي، وقد آمن سميث بأن الحكومات ينبغي عليها ألا تتدخل في معظم الأعمال، وكان يعتقد أن رغبة رجال الأعمال في تحقيق الأرباح إذا ماتم تنظيمها وتقنينها وتأطيرها بالمنافسة، فستعمل مثل اليد الخفية لإنتاج مايرغبه المستهلكون، وتُعرَف فلسفة سميث بعبارة "دعهُ يعمل" (عدم التدخل).
ولا يزال تركيز آدم سميث على الحرية الفردية الاقتصادية يمثل حجر الزاوية للنظام الاقتصادي الرأسمالي، لكن نمو قطاعات الأعمال الحديثة والمدن والتقنيات المتبعة، وتعقُّد كل هذا، قاد الناس إلى إعطاء الحكومات المزيد من الأعباء الاقتصادية يفوق ما خصها به سميث، وفي حقيقة الأمر، فإن العديد من الاقتصاديين يُعرِّفون النظام الأمريكي بأنه نموذج مُعدَّل من الرأسمالية؛ لأن الحكومة تقوم بدور مهمّ فيه.
2- الأنظمة الاقتصادية المختلطة:
وتدعى أيضًا بالأنظمة الاقتصادية الموجهة، وتشتمل هذه الأنظمة على المزيد من التحكم والتخطيط الحكوميين بالمقارنة مع الأنظمة الرأسمالية، ففي الاقتصاد المختلط، غالبًا ما تمتلك الحكومة صناعات مهمة، مثل النقل والكهرباء والغاز والمياه وتسيرها، أما أغلب الصناعات المتبقية فيمكن أن تكون ذات ملكية خاصة، والاشتراكية هي النوع الرئيسي من أنواع الاقتصاد المختلط.
وبعض البلدان ذات الأنظمة الاقتصادية المختلطة دول ديمقراطية؛ إذ ينتخب أفراد الشعب في تلك البلدان حكوماتهم، ويقترعون على بعض السياسات الاقتصادية، كذلك قد يقترعون لزيادة مقدار التحكّم الذي تمارسه الحكومة على الاقتصاد أو تقليصه، وتُسمى الأنظمة الاقتصادية لتلك البلدان غالبًا الاشتراكية الديمقراطية.
3- الشيوعية:
الشيوعية في صورتها التقليدية مبنية على ملكية الدولة لكل الموارد المنتجة تقريبًا، وعلى هيمنة الحكومة على كل الأنشطة الاقتصادية المهمة، ويتخذ مخططو الحكومة كل القرارات المتعلقة بإنتاج السلع وتسعيرها وتوزيعها، ولكن في كثير من الأقطار التي جرى تطبيق هذا النظام فيها لم يؤد ذلك التطبيق إلى ازدهار الاقتصاد، وبنهاية الثمانينيات من القرن العشرين بدأت الكثير من البلدان الشيوعية ـ خاصة الاتحاد السوفييتي السابق وبلدان أوروبا الشرقية الأخرى ـ في التنصل من النظام الشيوعي التقليدي والتخلي عنه؛ فقد خففت هذه البلدان من درجة التحكم الحكومي في الاقتصاد، وشرعت في السماح بالملكية الخاصة للمزارع والمصانع. (5)

ملتقى الاقتصاد:

ملتقى الاقتصاد:
لم الاقتصاد الوضعي قبل وبعد الإسلام
لا شك أن الأفكار الاقتصادية قديمة قدم الإنسان نفسه، ومنذ صدور الأمر الإلهي إلى سيدنا آدم بالهبوط من الجنة إلى الأرض وذلك بهدف إعمار الكون والسعي في طلب الرزق، وهذا يعني ببساطة: "العمل والإنتاج"، وهما - كما أشرنا - أساس الاقتصاد؛ قال تعالى: {قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}[الأعراف: 24].
واعتبارا من هذا التاريخ والإنسان في صراع مع الطبيعة يحاول إخضاعها لسيطرته، وتسخيرها لخدمته، وذلك بأن يستخرج منها كل ما يكفي احتياجاته ويشبع رغباته، وقد ترتب على ذلك أن واجهته العديد من المشكلات الاقتصادية، وفي سعيه المستمر للتغلب عليها وتطوير قواه الإنتاجية والعملية الاقتصادية بأكملها، نشأت العديد من الأفكار الاقتصادية والتي تعد نتاج الممارسة العملية.
ثم انشغل بعض فئات المجتمع بالفكر بصفة عامة في مختلف أنواعه، وفي إطار ذلك كانت لهم بعض الأفكار الاقتصادية المحدودة بسبب محدودية العملية الاقتصادية؛ فالحاجات محدودة جدا وتنحصر في المأكل والمأوى والملبس، وأدوات الإنتاج بسيطة جد، وتعتمد على القوة الجسدية للإنسان بجانب بعض الأدوات المحدودة جدا.
فقد عرفت مصر القديمة الملكية الفردية، بالإضافة إلى ملكية الانتفاع، كما كانت هناك ملكية مقيدة وتتمثل في أراضي توقف على المعابد لكسب تأييد رجال الدين، غير أن كل ذلك في إطار أن الحاكم وهو الفرعون (والإله) هو المالك الأسمى لكل الأراضي، كما عرفت النقود السلعية كالقمح أولا، ومع التطور ووجود فائض زراعي والتوجه إلى المبادلة والتجارة استخدمت النقود المعدنية وخاصة الذهب، وهناك الكثير من البرديات يشير إلى ذلك.
وأما بشأن بلاد بابل أو ما بين النهرين فكان النشاط الاقتصادي أيضا يرتكز على الزراعة والتجارة، ورغم أن المالك الأسمى للأرض هو الملك (وكان له أيضا صفة الإله) فقد كانت هناك أنواع مختلفة من الملكية، ثم أصبحت الملكية الفردية هي الغالبة، ويحتل قانون حمورابي أهمية بالغة في المجالات الاقتصادية، حيث أورد تنظيما دقيقا لأمور الملكية والربا وغيرها، كما كان يتم استخدام النقود المعدنية في المبادلات.
أما النظام العبراني فتشير الدراسات إلى أنه قد عرف في مرحلة متأخرة التجارة الداخلية والخارجية، وارتبط بذلك الاتجاه نحو تجميع الثروات، ووجود طبقة شديدة الثراء، وارتفاع الضرائب، وزيادة أعداد فئات وطبقات الفقراء، وأدى هذا التغير الاقتصادي إلى ثورة أنبياء بني إسرائيل ضد الجشع واستغلال النفوذ من جانب التجار والمرابين، فكان تحريم الربا على القروض خصوصا بين العبرانيين، أما غير العبرانيين فكان بنو إسرائيل يتعاملون بالفائدة (الربا) معهم.
ولقد كان النشاط الاقتصادي عند الإغريق يرتكز على الزراعة البدائية، وكانت الوحدة الإنتاجية في الزراعة ثلاثة أنواع: وحدات كبار الملاك، ووحدات صغار الملاك، ووحدات مملوكة للدولة، وكانت التجارة الداخلية محدودة بسبب محدودية الحاجات، وكان يُعتَمَد على التجارة الخارجية في استيراد العديد من المنتجات الزراعية وغيرها.
وفي إطار هذا الاقتصاد البسيط، وفي ظل نهضة فكرية ملموسة ومشهورة كانت هناك بعض الأفكار الاقتصادية والتي تتميز بالريادة والإحاطة بالكثير من مكونات التحليل الاقتصادي غير المسبوق في هذه المرحلة التاريخية، فقدم أفلاطون في كتابه الجمهورية، وتحليله الشهير للمدينة المثالية العديد من الأفكار الاقتصادية المهمة، وكان من ذلك رأيه بضرورة وضع ضوابط للملكية الفردية أو الخاصة، وأنها يجب ألا تكون مطلقة.
وقد اقتفى أثر أفلاطون تلميذه أرسطو إلا أن آراءه كانت - في الغالب - تحمل وجهات نظر متباينة معه؛ فقد كان أرسطو مناديا ومحبذا للملكية الخاصة بشكل مطلق، ولكل أفراد المجتمع دون استثناء، ولكل فرد حرية تملك المال والتصرف والاستعمال والاستغلال، واعتبر الملكية حقًّا طبيعيًّا للفرد، وكان لذلك أبلغ الأثر في أوربا فيما بعد.
وإذا كان الرومان لم يقدموا فكرا اقتصاديا يستحق الذكر إلا أنهم قد أثروا في الفكر الاقتصادي مؤخرا وذلك عن طريق أفكارهم والتي تتمثل فيما يلي:
1) فكرة القانون الطبيعي، حيث تعني هذه الفكرة بوجود قانون ليس من خلق الإنسان ولكنه من خلق الطبيعة يحكم العلاقات الاقتصادية، وله صفة الدوام والعمومية، وقد ساد هذا الاعتقاد في القرن الثامن عشر لدى مدرسة الطبيعيين وكذلك لدى المدرسة الكلاسيكية.
2) فكرة المذهب الفردي: وتتضمن هذه الفكرة حق كل شخص في أن يعقد ما شاء من العقود، وكذلك الصفة المطلقة لحق الملكية، وأن يترك النشاط الاقتصادي حرا بدون تدخل من الدولة، وتعتبر هذه الفكرة أساس النظام الرأسمالي الذي ظهر واستقر منذ القرن السادس عشر حتى اكتمل بناؤه في القرن التاسع عشر.
هذا وقد كان النظام الطبقي هو السائد قديما كما عند اليونان والرومان، حيث كان المجتمع مقسم إلى الحاكم والنبلاء، وطبقة الزراع والصناع، وطبقة العبيد والأرقاء، مما كان له أثره المباشر في النظام الاقتصادي السائد.(3)
ولقد كان من بين أقدم النظم الاجتماعية - الاقتصادية (النظم التي تتضمن عوامل اجتماعية واقتصادية مشتركة) نظام العزبية ـ نسبة إلى عزْبة، وقد هيأ ذلك النظام الحلول للمسائل المتعلقة بكيفية إنتاج السلع وتوزيعها في مجتمع زراعي، وتحت ذلك النظام يقوم ملاك الأرض بتأجيرها للمستأجرين، أو باستخدام العمال للعمل على الأرض مقابل أجر، ومازال هذا النظام ساريًا في عالم اليوم في بعض البلدان، وقد بدأ نظام العزبية منذ نهاية الإمبراطورية الرومانية، وانتشر في غرب أوروبا، وبحلول القرن الثاني عشر الميلادي، نمت المعارضة لذلك النظام، وأدى التطور الاقتصادي إلى نمو المدن والدول، حيث كانت لكل واحدة منها نظرتها المختلفة لمبدأ تقسيم السلطة، وقد تلاشى النظام العزبى أولاً في غرب أوروب، ولكنه بقي في بعض الأجزاء الأخرى من أوروبا حتى القرن التاسع عشر.
ولم يتم تطوير النظريات الرئيسية الأولى الخاصة باقتصاديات الأمم إلا في القرن السادس عشر الميلادي، أي ببداية فترة النزعة التجارية، وقد آمن أصحاب النزعة التجارية أن على الحكومة أن تُمارس تنظيم النشاط الاقتصادي لتحويل الميزان التجاري لمصلحتها، وقال هؤلاء: إن الأمم يمكنها زيادة الكمية المعروضة من المال من خلال تصدير المزيد من المنتجات مقارنة بما تستورد، وكان معظم هؤلاء يحبذون الاعتماد على التعرفة الجمركية المرتفعة والموانع الأخرى لتحديد الواردات وتقييدها.
وخلال القرن الثامن عشر، هاجمت مجموعة من الكتاب الفرنسيين، ـ تُسمى الفيزوقراطيين ـ النزعة التجارية، وكان هؤلاء يؤيدون التقليل من تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، كما أنهم كانوا أول من استعمل المصطلح "دعه يعمل" من بين الاقتصاديين، ليعني عدم تدخل الحكومة، كما أن الفيزوقراطيين كانوا أول من بدأ الدراسة المنظمة للكيفية التي تعمل بها الأنظمة الاقتصادية.

ملتقى الاقتصاد:

ملتقى الاقتصاد:
لم الاقتصاد الوضعي قبل وبعد الإسلام
لا شك أن الأفكار الاقتصادية قديمة قدم الإنسان نفسه، ومنذ صدور الأمر الإلهي إلى سيدنا آدم بالهبوط من الجنة إلى الأرض وذلك بهدف إعمار الكون والسعي في طلب الرزق، وهذا يعني ببساطة: "العمل والإنتاج"، وهما - كما أشرنا - أساس الاقتصاد؛ قال تعالى: {قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}[الأعراف: 24].
واعتبارا من هذا التاريخ والإنسان في صراع مع الطبيعة يحاول إخضاعها لسيطرته، وتسخيرها لخدمته، وذلك بأن يستخرج منها كل ما يكفي احتياجاته ويشبع رغباته، وقد ترتب على ذلك أن واجهته العديد من المشكلات الاقتصادية، وفي سعيه المستمر للتغلب عليها وتطوير قواه الإنتاجية والعملية الاقتصادية بأكملها، نشأت العديد من الأفكار الاقتصادية والتي تعد نتاج الممارسة العملية.
ثم انشغل بعض فئات المجتمع بالفكر بصفة عامة في مختلف أنواعه، وفي إطار ذلك كانت لهم بعض الأفكار الاقتصادية المحدودة بسبب محدودية العملية الاقتصادية؛ فالحاجات محدودة جدا وتنحصر في المأكل والمأوى والملبس، وأدوات الإنتاج بسيطة جد، وتعتمد على القوة الجسدية للإنسان بجانب بعض الأدوات المحدودة جدا.
فقد عرفت مصر القديمة الملكية الفردية، بالإضافة إلى ملكية الانتفاع، كما كانت هناك ملكية مقيدة وتتمثل في أراضي توقف على المعابد لكسب تأييد رجال الدين، غير أن كل ذلك في إطار أن الحاكم وهو الفرعون (والإله) هو المالك الأسمى لكل الأراضي، كما عرفت النقود السلعية كالقمح أولا، ومع التطور ووجود فائض زراعي والتوجه إلى المبادلة والتجارة استخدمت النقود المعدنية وخاصة الذهب، وهناك الكثير من البرديات يشير إلى ذلك.
وأما بشأن بلاد بابل أو ما بين النهرين فكان النشاط الاقتصادي أيضا يرتكز على الزراعة والتجارة، ورغم أن المالك الأسمى للأرض هو الملك (وكان له أيضا صفة الإله) فقد كانت هناك أنواع مختلفة من الملكية، ثم أصبحت الملكية الفردية هي الغالبة، ويحتل قانون حمورابي أهمية بالغة في المجالات الاقتصادية، حيث أورد تنظيما دقيقا لأمور الملكية والربا وغيرها، كما كان يتم استخدام النقود المعدنية في المبادلات.
أما النظام العبراني فتشير الدراسات إلى أنه قد عرف في مرحلة متأخرة التجارة الداخلية والخارجية، وارتبط بذلك الاتجاه نحو تجميع الثروات، ووجود طبقة شديدة الثراء، وارتفاع الضرائب، وزيادة أعداد فئات وطبقات الفقراء، وأدى هذا التغير الاقتصادي إلى ثورة أنبياء بني إسرائيل ضد الجشع واستغلال النفوذ من جانب التجار والمرابين، فكان تحريم الربا على القروض خصوصا بين العبرانيين، أما غير العبرانيين فكان بنو إسرائيل يتعاملون بالفائدة (الربا) معهم.
ولقد كان النشاط الاقتصادي عند الإغريق يرتكز على الزراعة البدائية، وكانت الوحدة الإنتاجية في الزراعة ثلاثة أنواع: وحدات كبار الملاك، ووحدات صغار الملاك، ووحدات مملوكة للدولة، وكانت التجارة الداخلية محدودة بسبب محدودية الحاجات، وكان يُعتَمَد على التجارة الخارجية في استيراد العديد من المنتجات الزراعية وغيرها.
وفي إطار هذا الاقتصاد البسيط، وفي ظل نهضة فكرية ملموسة ومشهورة كانت هناك بعض الأفكار الاقتصادية والتي تتميز بالريادة والإحاطة بالكثير من مكونات التحليل الاقتصادي غير المسبوق في هذه المرحلة التاريخية، فقدم أفلاطون في كتابه الجمهورية، وتحليله الشهير للمدينة المثالية العديد من الأفكار الاقتصادية المهمة، وكان من ذلك رأيه بضرورة وضع ضوابط للملكية الفردية أو الخاصة، وأنها يجب ألا تكون مطلقة.
وقد اقتفى أثر أفلاطون تلميذه أرسطو إلا أن آراءه كانت - في الغالب - تحمل وجهات نظر متباينة معه؛ فقد كان أرسطو مناديا ومحبذا للملكية الخاصة بشكل مطلق، ولكل أفراد المجتمع دون استثناء، ولكل فرد حرية تملك المال والتصرف والاستعمال والاستغلال، واعتبر الملكية حقًّا طبيعيًّا للفرد، وكان لذلك أبلغ الأثر في أوربا فيما بعد.
وإذا كان الرومان لم يقدموا فكرا اقتصاديا يستحق الذكر إلا أنهم قد أثروا في الفكر الاقتصادي مؤخرا وذلك عن طريق أفكارهم والتي تتمثل فيما يلي:
1) فكرة القانون الطبيعي، حيث تعني هذه الفكرة بوجود قانون ليس من خلق الإنسان ولكنه من خلق الطبيعة يحكم العلاقات الاقتصادية، وله صفة الدوام والعمومية، وقد ساد هذا الاعتقاد في القرن الثامن عشر لدى مدرسة الطبيعيين وكذلك لدى المدرسة الكلاسيكية.
2) فكرة المذهب الفردي: وتتضمن هذه الفكرة حق كل شخص في أن يعقد ما شاء من العقود، وكذلك الصفة المطلقة لحق الملكية، وأن يترك النشاط الاقتصادي حرا بدون تدخل من الدولة، وتعتبر هذه الفكرة أساس النظام الرأسمالي الذي ظهر واستقر منذ القرن السادس عشر حتى اكتمل بناؤه في القرن التاسع عشر.
هذا وقد كان النظام الطبقي هو السائد قديما كما عند اليونان والرومان، حيث كان المجتمع مقسم إلى الحاكم والنبلاء، وطبقة الزراع والصناع، وطبقة العبيد والأرقاء، مما كان له أثره المباشر في النظام الاقتصادي السائد.(3)
ولقد كان من بين أقدم النظم الاجتماعية - الاقتصادية (النظم التي تتضمن عوامل اجتماعية واقتصادية مشتركة) نظام العزبية ـ نسبة إلى عزْبة، وقد هيأ ذلك النظام الحلول للمسائل المتعلقة بكيفية إنتاج السلع وتوزيعها في مجتمع زراعي، وتحت ذلك النظام يقوم ملاك الأرض بتأجيرها للمستأجرين، أو باستخدام العمال للعمل على الأرض مقابل أجر، ومازال هذا النظام ساريًا في عالم اليوم في بعض البلدان، وقد بدأ نظام العزبية منذ نهاية الإمبراطورية الرومانية، وانتشر في غرب أوروبا، وبحلول القرن الثاني عشر الميلادي، نمت المعارضة لذلك النظام، وأدى التطور الاقتصادي إلى نمو المدن والدول، حيث كانت لكل واحدة منها نظرتها المختلفة لمبدأ تقسيم السلطة، وقد تلاشى النظام العزبى أولاً في غرب أوروب، ولكنه بقي في بعض الأجزاء الأخرى من أوروبا حتى القرن التاسع عشر.
ولم يتم تطوير النظريات الرئيسية الأولى الخاصة باقتصاديات الأمم إلا في القرن السادس عشر الميلادي، أي ببداية فترة النزعة التجارية، وقد آمن أصحاب النزعة التجارية أن على الحكومة أن تُمارس تنظيم النشاط الاقتصادي لتحويل الميزان التجاري لمصلحتها، وقال هؤلاء: إن الأمم يمكنها زيادة الكمية المعروضة من المال من خلال تصدير المزيد من المنتجات مقارنة بما تستورد، وكان معظم هؤلاء يحبذون الاعتماد على التعرفة الجمركية المرتفعة والموانع الأخرى لتحديد الواردات وتقييدها.
وخلال القرن الثامن عشر، هاجمت مجموعة من الكتاب الفرنسيين، ـ تُسمى الفيزوقراطيين ـ النزعة التجارية، وكان هؤلاء يؤيدون التقليل من تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، كما أنهم كانوا أول من استعمل المصطلح "دعه يعمل" من بين الاقتصاديين، ليعني عدم تدخل الحكومة، كما أن الفيزوقراطيين كانوا أول من بدأ الدراسة المنظمة للكيفية التي تعمل بها الأنظمة الاقتصادية.